هالة فردان

كان ينظر إليّ بحزن قائلاً: «وكأنني أصبحت جَدّاً». نظرت إليه مستفسرة وعقلي مشوّش: «جدّ بلا أحفاد؟». قال مازحاً: «بتخلفي يا هالة أشعر وكأني جدٌّقديم الطراز لا يفقه في التقنيات الحديثة شيئاً». صمتَ قليلاً ثم قال: «أراني ميّتاً أمشي بين أحياء». أجبته كاذبة وأنا أحاول أن أُخفّف عنه: «لا تحزن لعلّك قريباً تجد وظيفة أفضل ربما، أو أن هناك شركات ستُقدّر ما تملكه من خبرات وتجارب». صمتُّ أبحث في عقلي عن خيارات أخرى أضيفها لعليّ بها أملأ قلبه بأمل جديد، لكنه لم يترك لي مجالاً وغادر حزيناً.

صديقي بعد أن أمضى سنوات عمره الطويلة يعمل مترجماً معتمداً لدى العديد من الشركات، تفاجأ اليوم بالمكالمة تلو الأخرى تنهي فيها أغلب الشركات تعاقدها معه؟ الشركات التي اكتفت بجملة واحدة (نأسف لإعلامكم بانتهاء تعاقدنا معكم، الشركة تسعى لتطوير آليات العمل ومن ضمنها تشغيل برنامج ذكاء اصطناعي يقوم بالمهام الثانوية مثل الترجمة، نشكر لكم حسن تعاونكم معنا طوال السنوات الماضية ونتمنى لكم التوفيق). هكذا وبكل سهولة، لم نعد نحتاج سنوات خبرتك وبلاغتك، ولم نعد نحتاجك أنت أيضاً، وظيفتك لم تعد مهمة بعد الآن هي فقط (ثانوية)، حتى إن بعض تلك الشركات ترأفت به وعرضت عليه متكرمة أن ترسل له بعض النصوص المترجمة للمراجعة بأجر لا يتجاوز ربع ما كان يتقاضاه سابقاً.

ليس المؤلم في التطور، المؤلم أن جيلاً بأكمله كان حريصاً على مهامه الوظيفية وسعى قدر ما يعرف في تطويرها على مدى أعوام طويلة، أصبح بين ليلة وضحاها يسير ميتاً معرفياً بين أحياء لا يملكون روحاً، بل عقلاً ذكياً اصطناعياً غزوا به كل قطاعات الصناعة والتجارة وأفقدوا الآلاف من الناس وظائفهم.

وكأنهم كما شبّههم صديقي كبروا فجأة فأصبحوا بجهلهم لهذه التقنية أجداداً ماتوا وتركوا أجساداً بين أحياء، فلا دفنهم أحد ولا حزن لفقدهم عزيز، وضاعت في لمح البصر سنوات العمل وطُمست في عقولهم تلك المعرفة. الأمرُ في هذا كُلّه أن ما حدث باغتهم، هم لم يستعدوا لذلك هم لم يتنبؤوا بأن هذا اليوم آتٍ لا محالة وأنه آتٍ بهذه السرعة، لا مخطئ نلومه ولا هناك من يُلقى عليه اللوم، هي كغيرها من التقنيات الحديثة التي باتت تحاصرنا من كل اتجاه.

الخلاصة: ثورة الذكاء الاصطناعي التي أطاحت بالعديد من الوظائف؛ وتسبّبت في فقد الآلاف لمصدر رزقهم الوحيد لم تكن وليدة اللحظة. ليس صحيحاً أنها باغتتنا؛ فهناك العديد من الأبحاث والدراسات سبقت هذه الطفرة. نلوم أنفسنا قبل أن نلومها. إنه جرس إنذار وتنبيه إلى أهمية القراءة والاطلاع لكل ما هو جديد. علينا أن نعي أن لا شيء ثابت ولا تقنية مخلّدة. طالما هناك عقول تبحث وأخرى تبتكر سنكون دائماً في سباق لا ينتهي لنواكب كل هذه التغيّرات. في هذه الحياة أنت وحدك ستقف أمام مفترق الطرق وتختار: إما أن تكون حياً مواكباً، أو أن تكون الجد الذي سيموت دون أن يدفنه أحد.