يتقدّم ملف توظيف المواطنين في مملكة البحرين باعتباره أحد أكثر السياسات العامة التصاقاً بجوهر الاستقرار الاجتماعي وتوازن المسار الاقتصادي، وهو ما يفسّر حضوره الدائم في صدارة اهتمام صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، الذي تعامل مع هذا الملف بوصفه ركيزة من ركائز الأمن التنموي، وخياراً وطنياً طويل النفس، تُبنى عليه السياسات وتُقاس به كفاءة الأداء، فحين تُمنح الأولوية للمواطن في الفرص والخدمات، تتعزز الثقة بين الدولة وأبنائها، ويتحوّل سوق العمل إلى مساحة إنتاج قائمة على الشراكة والجدوى والاستدامة.

وتشير نتائج عام 2025 إلى نضج هذه الرؤية وقدرتها على إنتاج أثر ملموس؛ إذ بلغ عدد البحرينيين الذين جرى توظيفهم 26,963 مواطناً، متجاوزاً الهدف السنوي بنسبة 108%، فيما دخل سوق العمل 9,149 بحرينياً جديداً، بنسبة بلغت 114% من المستهدف، هذه المؤشرات لا تعبّر عن وفرة فرص فحسب، بل تكشف عن اقتصاد يمتلك قدرة تشغيلية حقيقية، وعن سياسات مرنة استطاعت استيعاب التحولات العالمية دون المساس بأولوية المواطن أو جودة الفرص المتاحة.

وفي هذا السياق، برز القطاع الخاص شريكاً فاعلاً في معادلة التوظيف، مدفوعاً ببيئة اقتصادية باتت أكثر جذباً للاستثمار في الكفاءات الوطنية، فقد أسهم الاستقرار المالي، وسهولة ممارسة الأعمال، والتشريعات المحفّزة، في جعل توظيف المواطن خياراً اقتصادياً ذا عائد طويل الأمد، وهو ما انعكس في مشاركة أكثر من 100 شركة ومؤسسة في المبادرات الوطنية، إدراكاً منها بأن رأس المال البشري البحريني بات يمثّل قيمة إنتاجية متنامية لا يمكن تجاوزها في حسابات النمو.

ويأتي التدريب المهني في قلب هذه المنظومة بوصفه العامل الذي منح السياسات بُعدها التنفيذي، حيث لعبت برامج «تمكين» دوراً محورياً في صقل المهارات، ومواءمة الكفاءات مع احتياجات السوق، وتحويل التدريب من مسار تأهيلي تقليدي إلى أداة استراتيجية لإعادة تشكيل الجاهزية المهنية، وقد انعكس ذلك في تسريع معدلات التوظيف، ورفع مستويات الاستقرار الوظيفي، وتقليص الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات القطاعات الاقتصادية المتنوعة.

ويكتسب ما تحقق في البحرين وزنه الحقيقي عند وضعه في سياقه المقارن، حيث تشير المؤشرات الدولية إلى أن متوسط بطالة الشباب في الاقتصادات الصغيرة المفتوحة غالباً ما يتجاوز 15%، في وقت تكافح فيه دول عديدة للحفاظ على وتيرة خلق وظائف مستقرة في ظل تباطؤ النمو العالمي وتزايد الضغوط الجيوسياسية، وفي هذا المشهد، تبرز التجربة البحرينية بوصفها نموذجاً قادراً على تجاوز مستهدفات التوظيف، واستيعاب الداخلين الجُدد إلى سوق العمل بنسب فاقت 110%، مع الحفاظ على أولوية المواطن وجودة الفرص، بما يعكس نهجاً مؤسسياً متكاملاً يقوم على تلاقي القرار السياسي مع الأدوات الاقتصادية والتدريبية.

كما أسهم التنوع الاقتصادي الذي تشهده البحرين في توسيع قاعدة الفرص وتسريع دورانها، مع اتساع مجالات التوظيف في قطاعات المال، والتكنولوجيا، والصناعة، والخدمات اللوجستية، والاقتصاد الرقمي، وهو تنوع منح سوق العمل مرونة أعلى، وفتح مسارات متعددة أمام الباحثين عن عمل، وأسهم في استيعاب أعداد متزايدة من الداخلين الجدد دون الإخلال بتوازن السوق.

وتتجلى الرؤية المستقبلية في تكليف الحكومة بتوظيف 25 ألف بحريني خلال عام 2026، من بينهم 10 آلاف من الداخلين الجدد إلى سوق العمل، وهو رقم لا يُقرأ بوصفه التزاماً عددياً فحسب، بل باعتباره إعلاناً فلسفياً عن طبيعة الدولة التي اختارت أن تجعل من الإنسان نقطة الثبات في عالم متغيّر، فالدول تُختبر في لحظات التحوّل بقدرتها على حماية فرص أبنائها، والدولة التي تستثمر في مُواطنها وتمنحه المهارة والاختيار، تبني اقتصاداً أكثر اتزاناً، ومجتمعاً أكثر مناعة، ومستقبلاً لا تُرهقه الأزمات، لأن رصيده الحقيقي هو الإنسان المؤهل، الثروة التي لا تنضب مهما تبدّلت الأزمنة وتغيّرت المعادلات.

* إعلامية وباحثة أكاديمية