قبل أكثر من سبعة عشر عاماً وتحديداً في 15 يناير 2009، أقلعت طائرة أمريكية من نيويورك، وما هي إلا دقائق إلا واصطدمت بسرب من الطيور، فتوقف محركاها معاً، طيارها تشيسلي سلنبرغر، اختار في الثواني الأولى أن يكون هادئاً ولا ينقل الشعور بالكارثة «شبه المحقق» إلى 154 شخصاً آخر كانوا تحت مسؤوليته، بينهم أربعة من طاقم الطائرة ومئة وخمسون راكباً، وبعد معاناة تمكن من إدارة الأزمة ببراعة وخرج من الكارثة المحققة بسلام هو وجميع من كان على متن تلك الطائرة بعد أن هبط اضطرارياً في خليج هدسون، لا شك أن لخبرة قائد الطائرة دوراً كبيراً في النتيجة النهائية ولكن السبب الأساسي كان الهدوء الذي تمتع بها خلال تلك الأزمة.
هذه الواقعة التي حولتها هوليود إلى فيلم سينمائي شهير، جوهرها لا يتعلق بالطيران وحده، بل تكشف حقيقة أنه في اللحظات الحرجة، أخطر ما يواجه الأفراد والمجتمع ليس الحدث نفسه، بل طريقة استقبال النفوس له، وكيف يؤثر عليها، وكيف تتعاطى معه، فالفزع سريع الانتقال والعدوى، والمبالغة بالحدث أسرع، والإشاعة وترويع المجتمع لا تحتاج – في أكثر أغلب الأحوال - إلى أكثر من هاتف وإنسان قليل الصبر وكثير الحماس، في أوقات الأزمات، ومن بينها الحروب، يخطر بذهن بعض الناس أن الصوت المرتفع علامة على الوعي، والانفعال دليل على الصدق، والآخرون الذي لا يشاركونهم هذا التوتر، هم غير مدركين لخطر ما يجري، لكن هذا وهم شائع لدى كثير من الناس، فالهدوء لا يعني بحال من الأحوال غياب الإحساس والإدراك، أو الانفصال عن الواقع، أو تجاهل ما يحدث، الهدوء يمنع الإنسان من الخوف الذي يتولى قيادة العقول، ويمنع اللسان من التحول إلى مكبر صوت، فالأزمات جزء كبير من تأثيرها علينا لا يصيبنا من عناوينها الرئيسية «صاروخ سقط هنا، طائرة مسيرة سقطت هناك» بل يصيب المجتمع من تفاصيل صغيرة، كرسالة مجهولة، وخبر صغير مرتبط بالحدث ينشر هنا وهناك يحمل عنوان «معلومة مؤكدة» ولا ندري من أكدها، محلل «استراتيجي» أنعم علينا بتحليله الأول، وهو يشرب فنجان قهوته بيننا، ثم يغادر تاركاً خلفه تحليله العظيم، وهنا يظهر نوع آخر من الناس - ربما هم الأغلب في مجتمعنا- وهم من يعرفون مسؤولية الكلمة، وأهمية تهدئة الآخرين.
الأزمات والحروب تكشف معادن النفوس، ففي الأيام العادية، يبدو الجميع عقلاء متزنين وممتلئين بالكلمات الجميلة، أما في أوقات الأزمات، فيظهر كل على حقيقته، فهناك من يحفظ التوازن، ومن يوزع فزعه على الآخرين، وهناك من يقف مع المجتمع، ومن يقف مع مزاجه، لذلك الهدوء ليس موقفاً سهلاً، بل موقفاً شجاعاً.
* عميد كلية القانون - الجامعة الخليجية