قبل أسبوعين؛ كان لي مقالة تناولت فيها معاناة الأسر مع علاقة الأطفال بمنصات التواصل الاجتماعي، وقد كتبتها وأنا أستحضر مشاهد يومية نعيشها جميعاً؛ طفل ينشغل بشاشة هاتفه لساعات، أسئلة بريئة يطرحها الصغار فجأة، لنكتشف أنها آتية من فضاء رقمي مفتوح لا يعرف حدوداً ولا يراعي أعماراً، يومها طالبت بتشريع يحمي الأطفال، باعتبارهم الفئة الأكثر تأثراً بالمحتوى الرقمي والأقل قدرة على التمييز بين مخاطره، أسوة بالعديد من الدول.
وكم أسعدني خبر موافقة مجلس الشورى على توصية لجنة شؤون المرأة والطفل بخصوص الاقتراح بتعديل بعض أحكام قانون الطفل، بشأن تقنين استخدام الأطفال للمنصات الرقمية، باستثناء المنصات التعليمية، وحظر صريح للمنصات الرقمية بإنشاء حسابات للأطفال دون سن 15 سنة، حيث عكست الموافقة شعور كثير من الآباء والأمهات، بأن هناك من يلتقط القلق الذي نعيشه ويحوله إلى موقف قانوني واضح.
وبدون شك؛ فإن هذه الخطوة تمثل تحولاً مهماً في فهم الحماية، إذ لم تعد مقتصرة على الشارع أو المدرسة، بل امتدت بوعي إلى العالم الرقمي الذي يتسلل إلى غرف الأطفال، ويشاركهم ساعات يومهم، بينما تقف الأسرة أحياناً عاجزة عن مجاراة سرعة هذا العالم أو فهم خوارزمياته.
والحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن الخطر اليوم لم يعد يأتي في صورة شخص غريب أو سلوك واضح، بل في تطبيق مصمم ليجذب الطفل، ويحبسه في دوائر متكررة من المحتوى، دون أن يسأل عن عمره أو نضجه أو قدرته على الفهم، وهنا يصبح التشريع فعل حماية حقيقياً، وليس تدخلاً في الحرية ولا وصاية زائدة، بل درعاً قانونياً في مواجهة سوق رقمي لا يرى في الطفل سوى فرصة للربح.
وما يحسب لهذا التوجّه التشريعي أنه لم يأتِ بمنطق المنع المُطلق؛ بل اعتمد فلسفة التدرّج والتوازن، حظر للفئة الأصغر سناً، وتنظيم للاستخدام لمن هم أكبر، مع استثناء للمنصات التعليمية، إدراكاً لأهمية التعلم الرقمي ودوره في بناء المستقبل، في توازن يعكس نضجاً تشريعياً يحمي الطفل دون عزله عن عصره.
أما إدراج مفهوم السلامة الرقمية ضمن قانون الطفل نفسه، فهو رسالة قوية بأن الأذى لا يقاس بشكله، بل بأثره؛ فالتنمر الإلكتروني، وانتهاك الخصوصية، والاستغلال الرقمي، ليست أخطاراً افتراضية، بل جروح حقيقية قد ترافق الطفل لسنوات طويلة، وتؤثر في ثقته بنفسه وهويته وانتمائه.
وفي تقديري الشخصي؛ ما حدث في مجلس الشورى ليس نهاية الطريق، لكنه بداية صحيحة، ورسالة واضحة بأن الطفل في مملكة البحرين ليس رقماً في عالم مفتوح، بل إنسان له حق في الحماية، وحق في أن يكبر بوعي وأمان.