أفكار عديدة ممكن أن تُناقَش في مسألة زيادة الدخل ورفع مستوى المعيشة لا تُكلِّف الدولة ميزانية لكنها تتطلّب تنظيماً ورقابة، أي تحتاج إلى تشريعات تنظيمية تعالج أية آثار سلبية ممكن أن تظهر أثناء التطبيق، واليوم سنستعرض واحدةً من هذه الأفكار.

هذه الفكرة، من أرسلها أحد المستشارين البحرينيين، تتحدث عمّا يسمّى بـ«اقتصاد العربة» gig economy.

يقول إن هذه الأنواع من الأنشطة الاقتصادية موجودة في البحرين بشكل غير منظَّم وغير موسّع، وهي أنشطة تقوم على استثمار الوقت والمكان والمهارات التي لدى الشخص الذي يريد تحسين دخله.

هناك أربعة أنواع في هذا النوع من الاقتصاد:

- الأول: يُعنى بخدمات التوصيل، سواء كانت سيارات أجرة مثل «Uber»، أو توصيل الأغذية وغيرها، وهذا النوع يشكّل نحو 60% من حجم هذا الاقتصاد عالمياً.

- الثاني: يُعنى بتقديم الخدمات الاحترافية مثل «الخدمات الاستشارية» و«البرمجة»، وهناك مؤسسات صغيرة وأفراد بدؤوا بالفعل في تقديم خدماتهم (بالقطعة) وهم مستقلون لا يعملون ضمن شركات كبيرة.

- الثالث: يُعنى بتقديم المنتجات والخدمات المنزلية (مثل الأعمال اليدوية والصيانة والتنظيف أو الاعتناء بالأطفال).

- الرابع: ترميم البيوت القديمة على سبيل المثال وتحويلها إلى فنادق صغيرة ذات غرف محدودة أو تأجير المساحات فيها مكاتب، بدلاً من تركها على حالها المزري لتؤجّر بالغرفة على العمالة الأجنبية، أي مشاركة الأصول، لتمكين ملاّك العقارات أو ملاّك الأصول من تأجير أملاكهم، ﻣﺛل: Bookings Air BNB.

هناك بحرينيون يعملون بهذه الأنشطة بشكل غير منظّم وعددهم محدود، وليس هناك وضوح وتشريع ينظّمها ويسمح لها بممارستها علناً، تحتاج هذه الأنشطة إلى تنظيم وتشريعات تسهّل عملها ولا تعقّد هذه الممارسات.

للعلم في 2020 بلغ حجم هذا الاقتصاد نحو 300 مليار دوﻻر ويُتوقع أن يستمر في الزيادة.

في بريطانيا على سبيل المثال في عام 2020 عمل في اقتصاد العربة 3 من كل 20 موظفاً بريطانياً، ومن المُتوقع أن يصل عدد العاملين في اقتصاد العربة (المنصات الرقمية) ضمن دول الاتحاد الأوروبي في حدود 45 مليون شخص في 2025.

ومن الأفكار التنظيمية الأخرى، من المُمكن أيضاً كأحد الحلول والآليات المستحدثة، إضافة خيار السماح لتأسيس شركات تقاعد خاصة (استثمارية) توفّر لهم خيار الانضمام لأنظمة التقاعد الخاصة بحيث لا تشكّل عبئاً إضافياً على التزامات الدولة تجاه صناديق التقاعد الحالية، بينما نوفر للعاملين في هذا القطاع خيار تأمين حياة كريمة عن تجاوزهم سن العمل فلا يُتركون من دون مصدر دخل مناسب.

وسيخدم التوسّع في هذا القطاع الذي يعتمد على استخدام التكنولوجيا بتقليل مصاريف الشركات وإيجاد مصادر دخل جديدة للأفراد، وستدخل ضمن دورة الأموال في الاقتصاد المحلي، بالإضافة للتوازن المتحقق لمن يعمل في هذا القطاع بين الحياة المهنية الاجتماعية. ومن ضمن الحلول والآليات الممكنة والتي قد تعالج أكثر من ملف (تنظيم اقتصاد العربة وملف البطالة معاً).

يُمكن إنشاء منصة إلكترونية وطنية يُدرج فيها أسماء وبيانات كل من يرغب في العمل في اقتصاد العربة بحسب القطاعات والتخصّصات، ويمكن للشركات والجهات الراغبة التعاقد معهم من دون الالتزامات والقيود الموجودة حالياً عبر التوظيف المباشر مما سيشجع الشركات للتعامل مع العمالة الوطنية مع ضمان حقوقهم عبر التنظيم الجديد لهذا القطاع ويقلّل من أعداد الباحثين عن عمل.

وبحكم طبيعة عمل اقتصاد العربة، ممكن أن يكون العمل عن بُعد لبعض فئات هذا القطاع مثل الخدمات الاستشارية مما سيخلق ميزة إضافية تساعدهم على التوسّع في تقديم الخدمات خارج الحدود الجغرافية للسوق المحلي مما سيوسّع من النمو الاقتصادي للبحرين ويعزّز من تنافسيته.

ختاماً، هذه واحدة من الأفكار، وهناك العديد من الأفكار الأخرى التي تتركّز أهدافها على زيادة دخل الفرد دون الاعتماد على الدولة بوظائفها أو دعومها، إنما كلها لابد أن تكون ضمن توجّه عام للدولة لا حلول ترقيعية هنا أو هناك، فحتى هذه الأفكار إن لم تكن ضمن سياسة اقتصادية شاملة لجميع مؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية فإنها لن ستحتاج عاجلاً أم آجلاً إلى حلول لمشاكل ستظهر وقت التنفيذ.