أرقام مثيرة تلك التي تضمنها التقرير الذي نشرته جريدة «الوطن» مؤخراً، حول عدد مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي في المملكة، والذي وصل إلى 1.31 مليون شخص، فيما بلغ حجم مستخدمي الإنترنت 1.64 مليون شخص، أما نسبة انتشار الإنترنت فوصلت إلى 99%.
دون شك فإن هذه الأرقام تعكس حجم التقدم التكنولوجي، وتطور البنية التحتية في مجال الاتصال، ما يعد أحد أهم أدوات استقطاب الاستثمارات والنمو الاقتصادي والتقني الذي تعيشه البلاد.
أما أكثر ما يثير في الأرقام هو عدد مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي، والذي يعادل 79.4% من إجمالي السكان، حيث يشك يشكل الأطفال عدداً لا يستهان منهم، (التقرير لم يدرج الفئات السنية للمستخدمين)، وهو ما حذرت منه سابقا في مقالتي تعليقا على موافقة مجلس الشورى على الاقتراح بتعديل بعض أحكام قانون الطفل، بشأن تقنين استخدام الأطفال للمنصات الرقمية.
ورغم كل النقاط الإيجابية في زيادة استخدام الإنترنت والتكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي، إلا أن الحذر يجب أن يكون حاضرة دائماً على أمام صانع القرار التشريعي، ومن قبله أولياء الأمور والتربويين والمؤسسات الرسمية والأهلية المعنية بالأطفال.
فوجود منصات التواصل الاجتماعي، والانفتاح التكنولوجي غير المسبوق الذي يشهده العالم اليوم، يدفعنا جميعاً إلى ضرورة اليقظة، حيث تتفتح أمام الأطفال نوافذ بلا حراس أو معايير أخلاقية أو دينية أو ثقافة، والتي في أغلبها تتنافى مع قيم مجتمعاتنا، فيما يتسلل منها شياطين الإنس والجن، عبر مقاطع وأفلام وإعلانات، ليهدموا في لحظات ما تبنيه العائلة في سنوات.
ولا يتوقف الأمر عند حدود المحتوى الظاهر أو المقاطع الصادمة فقط، بل يتجاوز ذلك إلى ما هو أخطر وأعمق؛ خوارزميات ذكية تعرف كيف تصل إلى الطفل، ماذا يحب، ومتى يضعف، وكيف تعيد تشكيل وعيه بهدوء، ومن دون ضجيج.
المشكلة هنا ليست في التكنولوجيا بحد ذاتها، ولا في الإنترنت الذي أصبح جزءاً لا يتجزأ من حياتنا اليومية، بل في غياب الحواجز الواقية، والتشريعات المواكِبة، والوعي الجمعي الذي ما زال يتعامل مع الهاتف الذكي كوسيلة ترفيه بريئة، لا كأداة تشكيل فكر وسلوك وقيم. فأطفال اليوم يعيشون في عالم مفتوح، بلا جغرافيا ولا رقابة حقيقية، يتلقون رسائل متناقضة عن الهوية، والأسرة، والدين، والجسد، والنجاح، والفشل، وكل ما يشكل الوعي.
لا شك في أن الأرقام التي حملها التقرير مدعاة للفخر من زاوية التقدم والبنية التحتية، لكنها في الوقت نفسه جرس إنذار حقيقي، فكل نسبة استخدام مرتفعة تعني مسؤولية أكبر، وكل جهاز ذكي في يد طفل يحتاج إلى عقل واعٍ خلفه، يراقب، ويحتوي، ويشرح، ويضع الحدود قبل أن تضعها المنصات بطريقتها الخاصة.