لم تعد حوادث المرور مجرد أخبار عابرة في الصفحات اليومية، بل تحولت إلى فواجع متكررة تُثقل ذاكرة المجتمع، وتطرح أسئلة مؤلمة عن جدوى ما نطبّقه اليوم من أنظمة وإجراءات. خلال ثمانية أيام فقط، خسرنا خمس أرواح في حوادث مرورية متفرقة، كان أكثرها وجعاً حادث الصخير الذي أودى بحياة أسرة كاملة؛ أب وأم وطفلتهما ريم، بعد يوم عائلي طبيعي انتهى بمشهد لا يُنسى.
وقبل هذه الحادثة وبعدها بأيام، توالت الوقائع: وفاة شاب يبلغ من العمر 23 عاماً وإصابة آخر إثر تدهور مركبتهما على شارع الشيخ عيسى بن سلمان باتجاه جسر الملك فهد، وحادث تدهور دراجة نارية أسفر عن وفاة سائقها من الجنسية الآسيوية. حوادث متباعدة في المكان، لكنها متشابهة في السبب؛ سرعة مفرطة واستهتار بأرواح الآخرين.
حادث الصخير أعاد تسليط الضوء على واقع السلامة المرورية، وعلى منطقة شهدت مطالبات متكررة بتشديد الرقابة والحد من السلوكيات الخطرة، بعدما كان الاستهتار سبباً مباشراً في محو أسرة كاملة من الحياة في لحظة واحدة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل ما نطبّقه من إجراءات كافٍ؟
العقوبات شددت خلال السنوات الماضية آخرها العام الماضي، والكاميرات الذكية انتشرت في معظم الطرقات الرئيسة، والغرامات المالية ارتفعت، ومع ذلك ما زال الاستهتار مستمراً، وكأن الأرواح لا تدخل في حسابات بعض السائقين. وقبل أن نطوي عاماً على حادث سار الذي راح ضحيته أب وأم وطفلان، نفجع اليوم بحادث آخر يقضي على أسرة بأكملها.
من هنا، يصبح التساؤل مشروعاً:
هل المطلوب تشديد جديد للعقوبات والغرامات؟ أم أن الردع المالي وحده لم يعد كافياً؟
هل نحتاج إلى برامج توعوية إجبارية للمخالفين الجسيمين، أو إلى إعادة تأهيل سلوكي للسائقين المتهورين، أو إلى ربط المخالفات الخطرة بسجل مروري يؤثر على الامتيازات والخدمات؟
ما يحدث على طرقنا ليس أزمة قوانين فقط، بل أزمة وعي ومسؤولية. فالقانون موجود، والرقابة حاضرة، لكن السلوك الخاطئ ما زال يحصد الأرواح. والرهان الحقيقي اليوم يجب أن يكون على تغيير ثقافة القيادة، لا الاكتفاء بتغليظ العقوبات بعد كل فاجعة.
لم تعد الأرقام وحدها كافية لوصف حجم الخسارة؛ فكل حادث يحمل خلفه أسرة مكلومة، ومستقبلاً انطفأ، وذكرى لا تُمحى. والسؤال لم يعد: هل نُشدِّد العقوبات؟
بل: ما الإجراء القادر فعلاً على إنقاذ الأرواح قبل وقوع الفاجعة التالية؟