في عالم يموج بالصراعات الدينية والعرقية والسياسية، حيث تتحول فيه الدول والمجتمعات إلى أشلاء، فتسفك الدماء ويقتل الأبرياء ويهدم الاقتصاد، تبرز البحرين كواحة أمن وأمان واستقرار، والحمد لله، بفضل ما يحمله المجتمع من قيم إنسانية تقوم على التعايش وقبول الآخر، تلك القيم التي زرعها الآباء والأجداد، لتبقى أحد أهم ما يميز شعب البحرين.

فالتعايش في البحرين ليس عنوان علاقات عامة أو نصاً قانونياً يبرز عند الحاجة، بل هو سلوك يومي، وتربية، وثقافة متجذرة، يلمسها كل من يقيم على هذه الأرض، ويشعر بها في تفاصيل حياته، من أبسط التعاملات اليومية إلى أعمق العلاقات الإنسانية.

منذ الصغر، يتجاور الأطفال على مقاعد الدراسة من مختلف الجنسيات، ويبنون صداقات عابرة للحدود والأديان والأعراق، في لوحة فسيفسائية جميلة تعكس حقيقة البحرين التي نفخر بها؛ لغات ولهجات وثقافات متعددة تنصهر في بوتقة واحدة، عنوانها الرئيس، البحرين.

وإذا كان العالم يحتفل في الثامن والعشرين من يناير من كل عام باليوم الدولي للتعايش السلمي، فإننا في البحرين لا نحتفل به بوصفه مناسبة عابرة، بل كوننا نعيشه واقعاً ملموساً، حيث تتجاور المساجد والكنائس والمعابد في مختلف المناطق، ويمارس الجميع عباداتهم وطقوسهم بحرية وسلام، دون خوف أو إقصاء.

هذه الحالة من السلم الاجتماعي لم تولد صدفة، ولم تفرض بقرار، بل هي امتداد طبيعي لتاريخ طويل من الانفتاح والتواصل مع العالم. فالبحرين، بحكم موقعها ودورها التاريخي، كانت دائماً محطة لقاء ومكان عبور لا عزلة، فتعلم أهلها منذ زمن بعيد أن الاختلاف يثري الهوية ويحافظ على تميزها.

لذلك، حين اقترحت البحرين اعتماد يوم دولي للتعايش السلمي، لم تكن تسعى إلى تسجيل موقف أو حصد إشادة دولية؛ بل كانت تنقل تجربة عاشت تفاصيلها لعقود طويلة، تجربة تؤمن بأن الأمن الحقيقي يبدأ من الإنسان، وأن الاستقرار يبنى بالثقة والعدالة والاحترام المتبادل.

في عالم اليوم، حيث تتصاعد خطابات الكراهية، تبدو الحاجة ماسة إلى نماذج حقيقية تؤكد أن التعايش ليس بعيدة المنال، بل خيار واقعي ممكن. والبحرين، بما تمتلكه من إرث اجتماعي وقيمي، تقدم هذا النموذج من خلال ممارسة يومية بسيطة، لكنها عميقة الأثر.

إن الاحتفاء باليوم الدولي للتعايش السلمي هو مسؤولية متجددة، تفرض علينا جميعاً الحفاظ على هذه القيم، ونقلها إلى الأجيال القادمة، وحمايتها من أي محاولات تشويه أو استغلال، فالتعايش الذي نفاخر به اليوم هو أمانة في أعناقنا، وهو أحد أسرار قوة هذا الوطن الكبير بإنسانيته.

وهكذا، تواصل البحرين دورها كنموذج فريد في المنطقة، وحاضنة للجميع، ومكان آمن يؤمن بأن السلام يبدأ من الداخل، من المجتمع، ومن احترام الإنسان للإنسان.