ليس الصمت في الحياة العامة فراغاً محايداً، بل موقفاً مؤجل التعبير. وفي المجتمعات التي تمر بتحولات اقتصادية واجتماعية متسارعة، يصبح الصمت اختباراً للقدرة على الإدارة أكثر مما يكون دلالة على الحكمة. فهناك فرق دقيق، لكنه حاسم، بين صمت يُدار بوعي الإدارة، وصمت يتسرب من فراغ القرار.

في لحظات محددة، يكون الصمت ضرورة. ضرورة تنبع من إدراك أن الإفراط في الكلام قد يربك المسار، وأن إدارة التوازنات تتطلب أحياناً خفض الصوت لا رفعه. هذا الصمت الواعي ليس انسحاباً، بل إعادة ضبط للإيقاع؛ مساحة تُمنح للعقل المؤسسي كي يراجع، ويعيد التموضع، ويختار توقيت الفعل بدقة.

غير أن الصمت، حين يطول، يبدأ بفقدان مبرراته. ما كان تكتيكاً مؤقتاً، يتحول تدريجياً إلى سلوك اعتيادي. وهنا يكمن الخطر: حين لا يعود الصمت قراراً، بل يصبح عادة. في هذه المرحلة، لا يُستخدم الصمت لإدارة التعقيد، بل لإخفائه. لا لاحتواء القلق، بل لتأجيل مواجهته.

في الواقع الاجتماعي، لا تختفي الأسئلة لأنها لم تُطرح. هي فقط تتراكم في الهامش، وتتحول من تساؤلات فردية إلى شعور عام غير مُسمى. وحين لا تجد هذه الأسئلة قناة واضحة للتعبير أو تفسيراً رسمياً صريحاً، تبدأ بالبحث عن مخارج بديلة: في الشارع، في المنصات، في الانكفاء، أو في الاحتجاج الصامت. الصمت الرسمي هنا لا يطفئ القلق، بل يعيد توزيعه بطرق أقل قابلية للضبط.

الفارق بين الصمت الواعي والصمت القسري يظهر بوضوح في النتائج. الأول يُرافقه مسار، حتى لو لم يُعلن. أما الثاني، فيُراكم فراغاً، ويُضعف الثقة بين المجتمع والمؤسسات. فحين يتقدم الإحساس العام بأن القرارات تُتخذ دون شرح، أو أن التحولات تُدار دون خطاب جامع، يصبح الصمت عبئاً سياسياً، لا أداة إدارة.

الأخطر أن الصمت القسري يعيد تعريف المسؤولية. بدل أن تكون المسؤولية فعلاً استباقياً، تصبح انتظاراً مفتوحاً. وبدل أن يكون الزمن عنصراً داعماً، يتحول إلى عامل ضغط صامت، يوسع الفجوة بين ما يُدار في الغرف المغلقة وما يُشعَر به في الفضاء العام.

في المجتمعات الصغيرة المتماسكة، حيث الذاكرة قصيرة والمسافة بين القرار وأثره أقصر، يكون للصمت كلفة مضاعفة. فكل تأجيل غير مفسر يُقرأ بوصفه تجاهلاً، وكل غياب للشرح يُفهم بوصفه تراجعاً عن الشراكة. هنا، لا يحتاج القلق إلى خطاب مغاير كي يتشكل؛ يكفيه أن يُترك بلا إجابة.

السياسة، في جوهرها، ليست فن الكلام ولا فن الصمت، بل فن التوقيت والشرح. متى نصمت؟ نعم. لكن الأهم: متى نكسر الصمت، وبأي لغة، ولأي غاية. فالصمت الذي لا يُدار، لا يبقى صمتاً، بل يتحول إلى سياسة تُفرض على الجميع دون أن يختارها أحد.

حجر الزاوية

الصمت يكون حكمة حين يُستخدم كأداة ضمن رؤية واضحة، لا حين يتحول إلى بديل عن القرار. وحين يصبح الصمت نمطاً دائماً في إدارة التحولات، يفقد معناه الوقائي، ويبدأ بإنتاج نقيضه: تآكل الثقة. لذلك، فإن التحدي الحقيقي ليس في رفع الصوت ولا في خفضه، بل في منع الصمت من أن يتحول إلى سياسة، تُدار بالتأجيل بدل الشرح، وبالإنكار بدل المواجهة.