ما بدأ فكرةً جريئة في ذهن شابٍ في الثامنة عشرة من عمره، تحوّل إلى مؤسسة وطنية راسخة، تحمي الدولة وتطمئن المجتمع، وتُجسّد معنى الجيش الذي يُنشأ للدفاع ولصون الوطن.
حين قرر جلالة الملك حمد حفظه الله ورعاه عام 1968 إنشاء قوة دفاع البحرين، رسم فلسفة متكاملة للأمن الوطني، بنى قوة تُبنى على الانتماء، وتُدار بالعقل قبل السلاح، وتكون درعاً للوطن ومظلة أمان لكل من يعيش على أرضه. ومنذ تلك اللحظة، بدأت رحلة بناء «المؤسسة الحامية».
خلال 58 عاماً، خاضت هذه القوة مساراً طويلاً من التطوير والتحديث. شهدت توسعاً في التشكيلات، وتحديثاً في العتاد، وارتقاءً في التدريب، واستثماراً مستمراً في العنصر البشري الذي ظلّ عماد القوة الحقيقي. ومع كل مرحلة زمنية، كانت قوة دفاع البحرين تواكب المتغيرات الإقليمية والدولية، دون أن تتخلى عن جوهر رسالتها، حماية البحرين وصيانة أمنها واستقرارها.
الإنجاز الأبرز لهذا المشروع الوطني أنه صنع نموذجاً خاصاً يقوم على الانضباط والشجاعة، لكنه في الوقت نفسه متصل بالمجتمع وقيمه. فالعسكري البحريني هو ابن هذا الشعب، يحمل همومه، ويستشعر مسؤوليته تجاهه. لذلك أصبحت القوة، عبر عقودها، «مدرسة وطنية» تُخرّج الرجال على معاني الواجب والوفاء قبل المهارة القتالية.
مع تولي جلالة الملك مهامه كقائد أعلى للقوات المسلحة، استمر المشروع في التطور بثقة ورؤية واضحة، فدخلت القوة مراحل متقدمة من الجاهزية والكفاءة، واتسعت مجالات عملها وتخصصاتها، وتعمّق حضورها في منظومة الأمن الوطني الشامل. هذا التطور جاء نتيجة رؤية قيادية تؤمن بأن قوة الجيوش لا تُقاس فقط بالسلاح، بل بالإنسان الذي يحمله، وبالعقيدة التي تحكم استخدامه.
لا يمكن الحديث عن مسيرة قوة دفاع البحرين دون الإشارة إلى دور قياداتها التي رافقت هذا المشروع وشاركت في بنائه وتطويره، وفي مقدمتهم معالي المشير الشيخ خليفة بن أحمد آل خليفة، الذي شكّل مع جلالة الملك ثنائياً في ترسيخ هذا الصرح وتحويله إلى مؤسسة حديثة متماسكة، تحظى بالثقة والاحترام داخلياً وخارجياً.
اليوم، ونحن نحتفل بالذكرى الـ58 لتأسيس قوة دفاع البحرين، نستحضر قصة مشروع وطني نجح في تحقيق أهدافه، أهدافه بحماية البحرين، وتعزيز سيادتها، وبناء مؤسسة تُمثّل أحد أعمدة الدولة الحديثة. لقد تحولت الفكرة التي وُلدت في ذهن شابٍ طموح إلى واقع يفاخر به البحرينيون، وإلى «حصن» يقف ثابتًا أمام التحديات.
قوة دفاع البحرين تجربة وطنية ناجحة في بناء الأمن على أسس الحكمة والانتماء. وما تحقق يؤكد أن الرؤية التي وُضعت في البدايات كانت رؤية بعيدة النظر، وأن «مصنع الرجال» الذي تأسس في شباب الملك، ما زال يواصل إنتاج أجيال من العسكريين الذين يحملون البحرين في قلوبهم قبل أن يحملوها على أكتافهم.
في ذكرى التأسيس، نستذكر أن قوة دفاع البحرين، مشروع وطن، نجح في أن يكون حصناً حامياً للبحرين وأهلها، وسيظل بإذن الله كذلك، ما دام قائده الأعلى يؤمن بأن الأمن الحقيقي يبدأ من حب الوطن، وينتهي بحمايته.