لا أدري حقيقةً، لِمَ تمرّ علينا قصصنا الجميلة مرور الكرام، فلا ننشرها بطريقة صح ولا نعرف كيف نلفت الانتباه لها، ولذلك لا تجد لها صدىً أو تعليقاً يليق بجمالها.
مَن منّا توقّف عند خبر أن البحرين تتكفّل بإعادة ترميم وإصلاح مساكن لـ2350 مشرداً ولاجئاً عربياً من أجل عودتهم إلى بيوتهم؟
لو كنّا رأينا مشاهد أطلال مدينتي حرستا السورية والزربة، والخاليتين من البشر والمصورة بطائرة درون، لعرفنا حجم العمل الذي ستقوم به المؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية، لأنه سيكون عملاً جبّاراً لإصلاح مشهد يُدمي له جبين البشرية لما حل بالبشر الذين كانوا يسكنون تلك الديار من مصائب وبلاء. «يمكنك مشاهدته على اليوتيوب».
كان عدد سكان ناحية الزربة عام 2004 حوالي 55 ألف نسمة، وعدد سكان بلدة حرستا 88 ألف نسمة قبل قصفهما بالبراميل المتفجرة، مات مَن مات منهم، وهجرها الباقون من الأحياء.
تطلّ عليك الجدران الآيلة للسقوط وبقايا المنازل الخاوية لتحكي لك ما حلّ بمَن كان يسكنها قبل أن تصعد أرواحهم لبارئها، وتسألك عن الناجين منهم إلى أين فروا؟ وأين ذهبوا؟
دمارٌ شامل مرَّ على سكانها حين أُسقطت عليهم البراميل المتفجرة بشكل عشوائي فلمْ تبقَ ولم تذر، فبقيت الأطلال خاوية بلا بشر تعصف بها الرياح.
ملكنا حفظه الله ومؤسسته الخيرية وبلدنا البحرين الذي نفخر ونعتز به، والذي لا يتأخر عن تقديم العون بما يُعرف عنه من وجه إنساني كان ذلك ديدنه منذ القِدم ومازال، لا يتأخر عن مساعدة أشقائه، سيتكفل بإعادة 2350 فرداً من هاتين المدينتين إلى منازلهم، حيث سيُعيد تأهيل 470 شقة سكنية، وسيُصلح جدرانها وأسقفها وأساساتها، وسيوفّر لهم الإنارة التي تعمل بالطاقة الشمسية، وسيُصلح لهم مرافق المياه الصحية الأساسية، وشبكات الأنابيب وسخانات المياه الشمسية، لضمان حصول الأُسر العائدة على مياه نظيفة وظروف صحية آمنة.
كما أشارت المسؤولة الأممية التي ستُشرف على هذا المشروع إلى أنّ هدف المشروع هو استعادة الظروف المعيشية الآمنة واللائقة للأُسر الضعيفة العائدة للمناطق المتضرّرة بشدة، لافتةً إلى أنه ستُعطى الأولوية للأُسر الأشد احتياجاً، بما فيها الأُسر المُعيلة من قِبل نساء والأشخاص ذوي الإعاقة.
إذ وقّعت المؤسسة الملكية للأعمال الإنسانية في البحرين والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في سوريا اتفاقية منحة بقيمة 2 مليون دولار أمريكي، لدعم ترميم المساكن المتضرّرة للعائلات العائدة إلى ناحية الزربة بريف حلب ومدينة حرستا بريف دمشق.
أخذنا الخبر كما وردنا من المؤسسة، نشرت صورة الموقعين على المشروع، في حين أن تلك الصورة ليست هي الخبر، بل الخبر يكمن في واقع اللاجئين وصورة حلمهم بالعودة.
قصة تستحق أن تُوثّق منذ ما قبل التوقيع وأثناء التوقيع وأثناء التنفيذ، قصة تأخذ الخيط من أوله من مخيم اللاجئين ومعاناتهم، من مشاهد يحتفظون بها لما كانت عليه حياتهم قبل القصف، وكيف يقضون شتاءهم الآن، إلى أن يفتحوا باب مسكنهم بعد إصلاحه وفرحتهم بعودتهم. مثل هذه المشاريع الإنسانية لابد أن تُسجَّل وتُصوّر بشكل حرفي لا مجرّد تصوير فوتوغرافي من الهاتف يواكب المشروع إلى نهايته، ويهتم بالتفاصيل ذات الطابع الإنساني البشري. ما أكثر ما نملك من قصص جميلة مشرّفة للبحرين وأهلها، تستحق أن تُصوّر، وعلى رأسها صور لما قدّمه هذا القلب الكبير لجلالة الملك حفظه الله، والذي يُظهر أصالة هذا البلد وأهله، والذين لم تقف إمكانياتهم المحدودة أمام مسؤوليتهم الإنسانية طوال تاريخهم.
فيلم قصير لا يحتاج إلى إطالة، ولكن مشاهد فرحة أطفالهم وعواجيزهم ودعائهم للبحرين ولجلالة الملك كفيلة بجعل يومك أفضل. نحن لن نمنَّ ولن نتفضل على أحد بهذا التوثيق، بل نحتاجه لإعادة الثقة بالإنسانية.