في عالم تتسارع فيه التحديات الأمنية وتتنوع مصادر الخطر، تبرز الحاجة الملحة لإعادة النظر في منظومة الحماية المدنية بدول مجلس التعاون الخليجي. هذا ليس تشاؤماً أو نشر قلق، بل مسؤولية وطنية وتخطيط استباقي لحماية أرواح المواطنين والمقيمين دون تمييز.

منذ حرب الخليج الأولى وحتى الأحداث الأمنية الأخيرة، أثبتت التجارب أن السكان في دول المجلس يفتقرون إلى خيار واضح عند سماع صفارات الإنذار: إلى أين نتوجه؟ وكيف نحمي أنفسنا وأحباءنا؟

رغم الجهود الكبيرة في تعزيز القدرات الدفاعية وأنظمة مثل باتريوت وثاد، فإن الحماية الشاملة تتطلب منظومة متكاملة لا تقتصر على الدفاع الجوي. الملاجئ المدنية هي الطبقة الأخيرة والأهم لحماية الإنسان، فحتى أفضل الأنظمة لا تضمن الحماية المطلقة، وتبقى نسبة مخاطر قائمة.

التحديات التقنية، مثل القنابل الخارقة للتحصينات، موجودة، لكنها تدعو للابتكار لا الاستسلام. دول متقدمة مثل سويسرا (توفر ملاجئ لأكثر من 100% من سكانها، حوالي 370,000 ملجأ عام وخاص، وفق قانون اتحادي يلزم ملاك المباني الجديدة ببناء وتجهيز ملاجئ)، فنلندا (أكثر من 50,500 ملجأ تغطي نحو 85% من السكان، مع إلزام المستثمرين ببناء ملاجئ في المباني فوق 1200 متر مربع، وغالباً ما تُستخدم كمخازن أو مرافق ترفيهية)، والنرويج (أعادت في 2025 فرض إلزامية الملاجئ في جميع المباني الجديدة لتعزيز الجاهزية) طورت حلولاً هندسية متقدمة: أعماق كافية، طبقات حماية متعددة، تهوية وتصفية مستقلة، ومخارج طوارئ. هذه التجارب يمكن تكييفها مع مناخنا الحار ومدننا الحديثة.

كما لا ننسى تجارب الحروب العالمية: في الحرب العالمية الثانية، أنقذت محطات مترو لندن آلاف الأرواح من القصف، وفي الحرب العالمية الأولى والثانية عموماً، أظهرت الملاجئ والأقبية فعاليتها في مواجهة الشظايا والموجات التفجيرية التي تسبب معظم الإصابات حتى دون إصابة مباشرة.

الملاجئ ليست مقتصرة على الحروب التقليدية أو الصاروخية فقط، بل توفر حماية متعددة الأبعاد:

- من الشظايا والانفجارات.- من التهديدات الكيميائية والبيولوجية عبر أنظمة تصفية متقدمة.- من التساقط الإشعاعي في حال حوادث نووية عرضية أو متعمدة.- من الحطام المتطاير والانهيارات.

وأهم من ذلك، توفر حماية في حالات التسربات الكيميائية الناتجة عن حوادث صناعية أو موانئ، مثل تسرب غازات سامة (أمونيا، كلور، هيدروجين سلفايد) من مصانع البتروكيماويات أو خزانات التخزين أو ناقلات، كما حدث في حوادث عالمية أدت إلى إصابات جماعية ووفيات. في منطقتنا الغنية بالصناعات النفطية والكيميائية، يمكن أن تكون هذه الحوادث كارثية، وتكون الملاجئ المزودة بتصفية هواء CBRN (كيميائي-بيولوجي-إشعاعي-نووي) حلاً حاسماً للسكان القريبين.

نماذج أخرى: في إسرائيل، أصبحت الغرف المحصنة إلزامية في كل مبنى سكني جديد، وأثبتت فعاليتها في تقليل الخسائر. وفي أوكرانيا اليوم، توفر ملاجئ المترو في كييف حماية يومية للمدنيين.

- رؤية عملية للمستقبل في دول المجلس:

- إلزام المطورين العقاريين بالتحلي بالمسؤولية الاجتماعية والوطنية في مشاريعهم، وسن أنظمة وقوانين واضحة تلزمهم بإنشاء ملاجئ مدنية (أو غرف محصنة) في المباني السكنية والتجارية الجديدة، وفق معايير هندسية تضاهي تلك المعتمدة في النرويج وفنلندا وسويسرا (مثل الإلزام ببناء ملاجئ في المباني فوق مساحة معينة، مع تجهيزات تهوية وتصفية متقدمة، وإمكانية الاستخدام السلمي لتقليل التكلفة).

- تحديد وتجهيز ملاجئ مؤقتة في البنى القائمة (مواقف تحت أرضية، أقبية) مع أنظمة تهوية وتصفية.

تطوير خطط إخلاء معلنة، لوحات إرشادية، وتطبيقات ذكية تظهر أقرب ملجأ آمن مع مسارات الوصول (مراعاة ذوي الاحتياجات الخاصة).

- ربط أنظمة الإنذار المبكر بخرائط تفاعلية على الهواتف.

- برامج توعية وتدريب دورية متعددة اللغات.

نأمل ونتمنى أن تتضمن الرؤى الخليجية الوطنية مشاريع الملاجئ المدنية ضمن مستهدفاتها الاستراتيجية، مع تحديد تاريخ زمني واضح لإنجازها (مثل 2030 أو 2035 كحد أقصى)، لتكون جزءاً أساسياً من بناء الجاهزية الوطنية والإقليمية، خاصة مع التقدم في التعاون الدفاعي المشترك ضمن مجلس التعاون. الجدوى الاقتصادية والاجتماعية واضحة: التكلفة مرتفعة ظاهرياً، لكنها أقل بكثير من الخسائر البشرية والمادية المحتملة. كما يمكن استغلال الملاجئ في أوقات السلم كمخازن، مراكز رياضية، مواقف، أو مساحات ترفيهية، مما يجعلها استثماراً ذا عائد مضاعف.