في صباحٍ لا يُقاس بالساعة بل بالمعنى، تخرج البحرين في يومها الرياضي من إطار المناسبة إلى فضاء الرسالة، لا أحد يسأل: لماذا نتحرك؟ لأن الحركة هنا لم تعد فعلاً جسدياً فقط، بل تعبيراً واعياً عن انتماء حيّ، وعن وطن قرر أن يجعل الجسد شريكاً في صناعة الوعي، لا تابعاً مهملاً في زحام الحياة الحديثة، في هذا اليوم، لا تتشابه الخطوات، لكنها تلتقي في الاتجاه ذاته: نحو إنسانٍ أكثر صحة، ومجتمعٍ أكثر تماسكاً، ودولةٍ ترى في الرياضة لغة جامعة لا تحتاج إلى ترجمة.
اللافت في اليوم الرياضي البحريني أنه لم يعد احتفالاً موسمياً يُستهلك بالصور، بل تحوّل إلى ممارسة ثقافية ممتدة، تتكامل فيها الوزارات، والمؤسسات، والقطاع الخاص، ومؤسسات المجتمع المدني، في مشهد أقرب إلى لوحة وطنية مفتوحة، أكثر من 70 جهة رسمية وأهلية تشارك سنوياً في تنظيم الفعاليات، وما يزيد على 250 ألف مشارك من مختلف الأعمار، بحسب إحصاءات رسمية حديثة، ما يعكس حجم التفاعل المجتمعي، ويؤكد أن الرياضة هنا لم تُفرض بقرار، بل نمت بقناعة.
اختيار مملكة البحرين لعام 2026 عاصمةً للثقافة الرياضية لم يكن مجاملة دولية، بل نتيجة مسار تراكمي ربط الرياضة بالثقافة، وبالحق الإنساني في الحياة الصحية، فحين تؤمن القيادة بأن الصحة ليست رفاهية، بل حقاً أصيلاً، تصبح الرياضة سياسة عامة، من رؤية جلالة الملك المعظم، حفظه الله ورعاه، التي جعلت الإنسان محور التنمية، إلى الدور المحوري لسمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة، أمير الرياضة البحرينية، الذي قاد مشروعاً وطنياً نقل الرياضة من الهواية إلى الاحتراف، ومن المشاركة إلى التتويج.
الأرقام هنا لا تُستخدم للتفاخر، بل للتدليل: أكثر من 60 اتحاداً رياضياً نشطاً، وما يفوق 400 بطولة محلية سنوياً، وعشرات الميداليات الآسيوية والعالمية في ألعاب القوى، والفنون القتالية، ورياضات التحمل، آخرها الإنجازات المتقدمة في البطولات العالمية خلال الأعوام الخمسة الماضية، هذه النتائج لم تولد في الصالات فقط، بل في ثقافة يومية بدأت من المدارس، ومن البرامج المجتمعية، ومن صورة الأب الذي يمشي مع ابنه، والأم التي تختار مع طفلتها وجبة صحية بوعي لا بإجبار.
اليوم، نرى أطفالاً يرفضون الوجبات السريعة لا بدافع الحرمان، بل بدافع الفهم، نرى شباباً يمارسون رياضات متنوعة، من الجري إلى ركوب الدراجات، من الفنون القتالية إلى الرياضات البحرية، كلٌ يجد ذاته في مساحة رياضية تناسبه، لقد أصبحت الرياضة في البحرين هوية فرعية داخل الهوية الوطنية، وأداة ناعمة تعزز الحضور الإقليمي والدولي، وتقدم نموذجاً لدولة صغيرة بحجمها، كبيرة برؤيتها.
في ختام هذا المشهد، يمكن القول إن اليوم الرياضي البحريني لم يعد يوماً في الروزنامة، بل حالة وعي مستمرة، هو رسالة تقول إن الأوطان القوية لا تُبنى فقط بالعقول، بل بأجساد تعرف كيف تتحرك، وكيف تحترم ذاتها، وكيف تمشي بثبات نحو المستقبل، وفي هذا، تترك البحرين بصمتها: وطنٌ يمارس الرياضة كما يمارس السيادة... بثقة، واستدامة، وإيمان عميق بالإنسان.
* إعلامية وباحثة أكاديمية