ليست هذه المرة الأولى التي تُرفع فيها رايةٌ زائفة لتبرير الاعتداء على الأبرياء، التاريخ القريب في منطقتنا يحمل درساً واضحاً: حين كانت تنظيمات إرهابية تكفيرية مثل القاعدة و«داعش» وحزب الله تضرب المدن والناس الآمنين في الشرق والغرب، وتعيث في الأرض فساداً، كانت الحجة الجاهزة دائماً هي «مواجهة أمريكا وإسرائيل والكفرة»، غير أن الحقيقة التي عرفها الجميع أن الضحايا لم يكونوا قواعد عسكرية، بل مدنيين، وأن ساحات الدم لم تكن ميادين حرب، بل شوارع وأسواقاً وبيوتاً في دول عربية وخليجية وغربية.
كانت الذريعة واحدة، وكان الإرهاب واحداً أيضاً، مهما اختلفت الشعارات أو تبدلت الأسماء.
اليوم نرى المشهد يتكرر بصورة أخرى، فهناك ساقطون برّروا بوقاحة العدوان الإيراني السافر على دول المنطقة بذريعة استهداف القواعد الأمريكية، وكأن إطلاق الصواريخ والمسيّرات على أراضي دول ذات سيادة يمكن أن يصبح أمراً مبرراً بمجرد تغيير عنوان الخطاب، الحقيقة التي لا يمكن إخفاؤها أن الاعتداء يبقى اعتداءً، وأن الإرهاب لا يتبدل جوهره بتبدل اللافتات.
والمفارقة اللافتة أن من يردد هذه السرديات يقف في الخندق ذاته الذي وقفت فيه جماعات التطرف سابقاً: تبرير الاعتداء أولاً، ثم البحث عن خطابٍ يمنحه غطاءً دينياً وسياسياً أو أيديولوجياً لاحقاً، وهنا يتجلى الدرس الأوضح: ملة الإرهاب واحدة، حتى وإن اختلفت راياته.
وفي موازاة ذلك، تنشط هذه الأيام حملة دعائية تحاول بث رسائل نفسية عبر مقابلات وخطابات تُعاد تدويرها على المنصات الإعلامية، تُلمع وتسوِق بغطاء التحليل السياسي لفكرة أن لإيران «القدرة على التحمل والمواجهة والرد» وأنها مستعدة لهذه الحرب أكثر من أي وقت سابق. الرسالة التي يراد تمريرها من خلف هذا الخطاب التشكيك غير المباشر في سياسات دول مجلس التعاون بالمنطقة.
لكن هذه الرسائل تتجاهل حقيقة يعرفها تاريخ المنطقة جيداً.
فدول مجلس التعاون لم تُبنَ في زمن الرخاء وحده، بل عبرت مراحل أصعب بكثير مما يتصوره أصحاب هذه السرديات، شعوبٌ جابهت وتجاوزت التحديات، وقياداتٌ أدارت الأزمات بحكمة، ومؤسساتٌ أمنية وعسكرية أثبتت مراراً قدرتها على حماية الأوطان وصون الاستقرار.ولعل ما يلفت الانتباه أن دول المجلس ما زالت حتى اللحظة متمسكة بضبط النفس، وتتعامل مع التصعيد بعقل الدولة لا بردود الفعل الانفعالية، وهذا ليس ضعفاً كما يحاول البعض تصويره، بل تعبير عن إدراك عميق لمسؤولية الاستقرار الإقليمي.
ولهذا فإن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح هي أن دول المجلس هي من استعدت جيداً لهذا اليوم، وهي من تستطيع المواجهة والرد بشكلٍ ساحق إن أرادت ذلك، لكن هذا الصبر ليس بلا حدود، وهذه الحكمة ليست دعوة لاختبارها، وما الجاهزية الخليجية العالية التي شهدها العالم إلا خير برهان، فحين يتعلق الأمر بسيادة الأوطان وأمن شعوبها، فإن الرسالة التي يعرفها تاريخ هذه المنطقة جيداً تبقى ثابتة:
الصبر سياسة.. لكنه ليس بديلاً عن القدرة.
ومن يخطئ قراءة هذا التوازن، قد يكتشف متأخراً أن هدوء الدول الواثقة ليس ضعفاً، بل قوةٌ تعرف متى تتحرك، ومتى تفعل، وكيف تفعل.فيصل العلي