حين صوّت البحرينيون على ميثاق العمل الوطني لم يكونوا يوقّعون على وثيقة سياسية بقدر ما كانوا يفتحون باباً واسعاً في جدار الزمن، باباً يعبر منه الإنسان البحريني إلى صورة أخرى من ذاته، أكثر اطمئناناً، أكثر حضوراً، وأكثر ثقة بأن الدولة قررت أخيراً أن تضعه في صدر المشهد لا في هامشه، كانت تلك اللحظة أقرب إلى إعلان ولادة وعي جديد، وطني لا يخاصم الإنسان، وإنساني لا ينفصل عن الوطن، ولهذا جاء التصويت الكاسح بنسبة 98.4% شهادة ثقة جماعية في فكرة سبقت السلطة، وقدّمت الإنسان باعتباره جوهر الدولة ومعناها العميق.
منذ ذلك اليوم، لم يسلك الميثاق طريق الشعارات السهلة، بل اختار طريق التفاصيل الصعبة، التفاصيل الصغيرة التي تصنع الحياة الكبيرة، بدأ الحفر عميقاً في بنية المجتمع، في التعليم الذي لم يعد امتيازاً بل حقاً أصيلاً، وفي الصحة التي تحولت من خدمة إلى التزام، وفي السكن الذي انتقل من خانة الانتظار إلى فضاء الاستحقاق، وفي العمل الذي غدا كرامة قبل أن يكون وظيفة، ومع مرور الأعوام، كانت البحرين تتقدم بصمت واثق في مؤشرات التنمية البشرية، حتى استقرت ضمن الدول ذات التنمية البشرية المرتفعة جداً عالمياً، في دلالة واضحة على أن الرهان على الإنسان لم يكن عاطفياً بل استراتيجياً محسوب الأثر.
اللافت في تجربة الميثاق أنه لم يتوقف عند الإنسان القادر، بل التفت مبكراً إلى الفئات المستضعفة، إلى من اعتادت المجتمعات أن تؤجلهم، فرفعهم إلى قلب السياسات العامة، ونسج لهم شبكات أمان اجتماعي شملت آلاف الأسر، وبرامج إسكان احتضنت عشرات الآلاف من المستفيدين، ومبادرات تمكين أعادت صياغة دور المرأة والشباب في المجتمع، لم يكن تمكين المرأة البحرينية إجراءً تجميليًا، بل تحولًا ثقافيًا عميقًا، تُرجِم اليوم بحضورها الواسع في التعليم والعمل وصنع القرار، وبنسبة تتجاوز 60% في التعليم العالي، فيما أصبح الشباب ركيزة التخطيط الوطني لا وقوده المؤقت.
ومع كل تحول عالمي، كان ميثاق العمل الوطني يغيّر أدواته دون أن يفقد روحه، فتح الأفق أمام الاقتصاد المعرفي، ودعم ريادة الأعمال، واحتضن الابتكار، فصعد اسم البحرين في التقارير والمؤشرات الدولية، لا بوصفها دولة صغيرة في الجغرافيا، بل نموذجاً قادراً على تحويل الرؤية الإنسانية إلى سياسات قابلة للقياس والاعتراف العالمي، وهنا لم يعد الميثاق نصاً يُستدعى في المناسبات، بل ذاكرة حية تتحرك في مؤسسات الدولة، وتنعكس في سلوك المجتمع، وتتشكل يوماً بعد آخر في تفاصيل الحياة.
وحين قال جلالة الملك المعظم إن «هناك أياماً لم نعشها بعد»، كانت قراءة بعيدة المدى لمسار بدأ بالميثاق ولم ينتهِ عنده، وفي النهاية، لا يمكن قراءة ميثاق العمل الوطني كوثيقة من الماضي، بل ككتاب مفتوح يُكتب كل يوم، صفحاته إنجاز، وحروفه إنسان، وخاتمته تؤكد أن الأوطان التي تبدأ بالإنسان، لا تصل إلا إلى ذروة الإنسانية التي يشهد لها العالم.* إعلامية وباحثة أكاديمية