«وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا».. حين اجتمع قادة دول في اللقاء الأول لمجلس السلام بدعوة من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، كان السؤال الحقيقي: من يملك الشجاعة لتحويل السلام من شعارٍ إلى خطة عمل؟ جاءت مشاركة حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم إجابة واضحة لا تحتمل التأويل.

جلالة الملك المعظم شارك في هذا الاجتماع عن تجربة دولةٍ اختارت منذ سنوات أن تضع السلام في صلب سياستها الخارجية، فكانت مملكة البحرين من أوائل الدول التي وقّعت اتفاقيات السلام عام 2020، واضعةً نفسها في مسارٍ يراهن على الاستقرار بوصفه استثماراً طويل الأمد، واليوم، في مجلس السلام، بدا الموقف البحريني امتداداً طبيعيًا لذلك الخيار، لكنه أكثر تحديداً وواقعية.

غزة حضرت في قلب الخطاب كقضية إعادة بناء شاملة، أكثر من مليوني إنسان ينتظرون إعادة إعمار تعيد لهم أساسيات الحياة؛ شبكات مياه وكهرباء، مرافق صحية، مدارس، وأنظمة إدارة حديثة، هنا أعلن جلالة الملك المعظم استعداد مملكة البحرين لتوفير بنية تحتية حكومية رقمية فعالة لخدمات غزة، في مقترحٍ إلى تأسيس إدارة عصرية قادرة على خدمة المجتمع بكفاءة وشفافية، في عالمٍ أصبحت فيه الحوكمة الرقمية معيارًا للتنمية، فإن نقل هذا النموذج إلى غزة يحمل دلالة عملية: إعادة البناء لا تعني الإسمنت فقط، بل بناء مؤسسات قادرة على الاستمرار.

شعار الاجتماع الذي رفعه جلالة الملك المعظم «لا شيء يعلو على قيمة السلام»، أهم ما ميّز الطرح البحريني ربط السلام بإطارٍ شامل يضمن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، بما يحقق الاستقرار والازدهار للمنطقة بأسرها، هذا التوازن بين الواقعية السياسية والالتزام بالحقوق هو ما يمنح الخطاب وزنه.

مجلس السلام، كما أشار جلالة الملك المعظم، منصة للحوار والعمل المشترك، وفرصة لجمع الشركاء الدوليين حول رؤية واحدة، الأرقام العالمية تكشف أن كلفة النزاعات في الشرق الأوسط خلال العقد الأخير بلغت مئات المليارات من الدولارات، فيما تشير تقارير التنمية إلى أن كل عام من الاستقرار يضاعف فرص النمو ويخفض معدلات الفقر والبطالة بصورة ملموسة، من هنا، يصبح السلام خياراً اقتصادياً وإنسانياً في آنٍ معاً، لا مجرد موقفٍ أخلاقي.

الرسائل التي وجهها جلالة الملك المعظم، مؤسسة على استراتيجية بحرينية واضحة: تكامل الأدوار، احترام التنوع، صون الكرامة الإنسانية، والعمل المشترك مع المجتمع الدولي إنها مقاربة ترى أن أمن المنطقة لا يتحقق عبر موازين القوة وحدها، بل عبر شبكات تعاون تبني الثقة، وتخلق مصالح متبادلة.

تُقاس أهمية هذا الاجتماع بمدى الالتزام بما طُرح، وإذا كان السلام يحتاج إلى إرادة، فإن الإرادة تحتاج إلى من يعلنها بوضوح ويتحمل مسؤوليتها، في ذلك اللقاء، أعلنت البحرين موقفها مجددًا: أن الكرامة الإنسانية هي الأساس، وأن إعادة إعمار غزة مشروع عدالة، وأن السلام الحقيقي يبدأ حين تتلاقى الشجاعة السياسية مع الفعل العملي.

* إعلامية وباحثة أكاديمية