لم تعد طهران تتعامل مع دول مجلس التعاون الخليجي على أنها جارة في واقع جغرافي لا يمكن تغييره؛ بل أضحى حرسها الثوري يضع الضفة الأخرى من الخليج كجزء من معادلة ابتزاز لخصومه.

بالاعتداء على المنشآت الاقتصادية والأعيان المدنية في الكويت والبحرين مؤخراً، فإن إيران لا تثبت فقط نهجها العدائي تجاه دول الخليج العربي، بل تتجاوز ذلك لتقديم رسائل أمنية للبيت الأبيض.

إن العدوان الإيراني الآثم على الكويت والبحرين في وقت يفترض أن تكون فيه المفاوضات مستمرة مع واشنطن، يعطي دلالات لا لبس فيها بأن النظام في طهران يعمل على تأسيس معادلة ردع جديدة تربط أمنه بأمن الخليج العربي. بمعنى أدق، فإن إيران تسعى لإرساء مقاربة ردع غير مسبوقة: أي هجوم أمريكي أو إسرائيلي عليها سيقابله هجوم على دول الخليج العربي يُوظف كوسيلة ضغط لتحسين شروطها على طاولة المفاوضات. وتكمن خطورة هذه الاستراتيجية الإيرانية الجديدة في تصاعد احتمالات نشوب أزمات مستقبلية بوتيرة أسرع وأوسع مما هو عليه حالياً. ومع ذلك، فإن هذا المسار الإيراني يبقى محفوفاً بالمخاطر، حيث سيتحول إلى عبء استراتيجي على المدى البعيد، لاسيما وأن الاعتداءات الآثمة على المدنيين تمثل جريمة حرب وفق القانون الدولي.

والأخطر من ذلك، هو أن ضرب المنشآت الاقتصادية والبنية التحتية المدنية لا يقتصر أثره على الدول المستهدفة فحسب، بل يطال الاقتصاد العالمي بأسره. إن دول الخليج العربي تمثل شرياناً رئيسياً للطاقة والتجارة الدولية، وأي محاولة لتحويلها إلى ساحة ضغط أو ابتزاز سياسي تعني عملياً تهديد استقرار الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد الدولية.

ومن هنا، فإن المسألة لم تعد نزاعاً ثنائياً بين إيران وجيرانها الخليجيين، بل أصبحت قضية تمس الأمن الاقتصادي العالمي بصورة مباشرة.

لقد مارست دول مجلس التعاون الخليجي الصبر الاستراتيجي لعقود ودافعت عن نفسها بشجاعة ورباطة جأش وحكمة سواء في مسار حماية شعوبها ومقدراتها عسكرياً، بالإضافة إلى استخدام أدوات أخرى منها تفعيل الخيارات الدبلوماسية والقانونية في مجلس الأمن الدولي وبقية مؤسسات الأمم المتحدة، مما يؤكد أن الخليج لا يحيد عن مفاهيم السلام وطريق التعايش السلمي الذي سار عليه الآباء والأجداد.

ولطالما قدمت دول الخليج العربي الحوار وخفض التصعيد على الحسابات الأخرى وذلك انطلاقاً من مبدأ حسن الجوار مع إيران، إلا أن إصرار طهران على سلوكها العدواني قد يزيد من حالة انعدام الثقة ويفرط بأي فرصة للتهدئة والاستقرار.

ولذلك، فإن استمرار العدوان المتصاعد يثير تساؤلات متزايدة حول جدوى سلك المسارات الدبلوماسية وحدها أمام هذه الاعتداءات الآثمة، وهذا يضع دول مجلس التعاون أمام نقاش مشروع بشأن خيارات الدفاع عن النفس المنصوص عليها في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.

والمفارقة هنا تكمن في أن محاولة ربط أمن واستقرار الخليج العربي بأمن إيران نفسها قد تؤدي إلى نتيجة معاكسة لطهران؛ فبدلاً من الضغط على الولايات المتحدة لإنهاء الحرب بالمفاوضات، فإن إيران قد تدفع قوى عالمية أخرى للانخراط في هذا الصراع، لاسيما وأن الكتلة الأوروبية متضررة من عرقلة الملاحة في مضيق هرمز بشكل حاد.

فكلما حاولت طهران فرض معادلات جديدة بالقوة، كلما ازدادت القناعة الخليجية ومعهم المجتمع الدولي بأهمية العمل الجماعي وتطوير منظومات الردع والدفاع المشترك ضد تحديات دولة تحولت إلى عصابة بفضل سياسات حرس الثورة فيها.

وبذلك، فإن معادلة الردع التي تحاول إيران فرضها على المنطقة وفق مفهوم القوة، لا يمكن إلا أن توسع دائرة الرافضين لأعمالها غير القانونية، مما يعمق من عزلتها الدولية حتى بعد أن تضع الحرب أوزارها.