كم تحتاج مدينةٌ صغيرة المساحة وكبيرة الطموح من الأفكار، حتى تصنع فرقاً في حياة الناس؟ أحياناً لا يكون الجواب جسراً عملاقاً أو برجاً شاهقاً، بل مساراً أخضر يمتد بهدوء على جانب الطريق، يحمل فوقه دراجة هوائية وابتسامة إنسان اختار أن يتحرك بطريقة مختلفة، هكذا تبدو قصة مسارات الدراجات الهوائية في مملكة البحرين؛ فكرة بدأت كهواية عند البعض، ورياضة عند آخرين، ثم تحولت مع الوقت إلى ثقافة مجتمعية وأسلوب حياة يعكس وعياً متقدماً بالصحة والبيئة وجودة الحياة.
لقد أدركت البحرين مبكراً أن التنمية الحديثة تُقاس بما يُبنى في الإنسان نفسه، ومن هنا جاء الاهتمام المتزايد بتوفير المسارات المخصصة للدراجات الهوائية في عدد من المدن والمشروعات العمرانية، لتصبح جزءاً من المشهد الحضري الذي يجمع بين الرياضة والترفيه والتنقل الآمن، ولم يعد منظر الأسر والشباب وكبار السن وهم يستخدمون الدراجات الهوائية مشهداً موسمياً مرتبطاً بفعالية أو مناسبة، بل أصبح جزءاً من الروتين اليومي للكثيرين.
ويأتي هذا التوجه منسجماً مع الرؤية الوطنية التي يقودها حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، في بناء مجتمع أكثر صحة واستدامة، ومع الجهود الكبيرة التي يبذلها سمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة ممثل جلالة الملك للأعمال الإنسانية وشؤون الشباب، رئيس المجلس الأعلى للشباب والرياضة، في ترسيخ الثقافة الرياضية، وجعل النشاط البدني جزءاً من حياة المجتمع، فالرياضة أصبحت أسلوباً للحياة، ومسارات الدراجات أحد أبرز تجليات هذه الثقافة.
وفي هذا السياق، يبرز مشروع مسار الدراجات الهوائية بمدينة سلمان بوصفه نموذجاً متقدماً للبنية التحتية الحديثة الداعمة للتنقل المستدام، حيث روعي في تصميمه تطبيق أفضل الممارسات العالمية في السلامة والاستدامة وجودة التنفيذ، وهو نهج يتشابه مع تجارب عالمية ناجحة في دول مثل هولندا والدنمارك، حيث أثبتت الدراسات أن توفير البنية التحتية الآمنة للدراجات يسهم في رفع معدلات استخدامها وتقليل الحوادث المرورية وتعزيز الصحة العامة وخفض الانبعاثات الكربونية.
ولعل أجمل ما في هذه المسارات أنها لا تخدم راكبي الدراجات فقط، بل تنظم العلاقة بين مختلف مستخدمي الطريق؛ فالسائق يشعر بمزيد من الأمان، وراكب الدراجة يجد مساحة مخصصة له، والمشاة يستمتعون ببيئة أكثر هدوءاً وانسيابية.، كما أنها تضيف بعداً سياحياً وحضارياً للبحرين، إذ تمنح الزائر فرصة لاكتشاف المدن والمرافق بأسلوب صحي وآمن وصديق للبيئة.
ومع استمرار وزارة المواصلات والاتصالات والجهات الحكومية ذات العلاقة في تطوير هذه المنظومة، فإن المستقبل يبدو واعداً بمزيد من المسارات المترابطة التي تربط الأحياء والمرافق العامة والواجهات البحرية، فكل كيلومتر جديد من هذه المسارات استثمار في صحة الإنسان وسلامته وبيئته.
ولعل الحكمة التي تختصر المشهد كله تقول: إن المدن الذكية تُعرف بقدرتها على أن تمنح الإنسان مساحة آمنة ليعيش حياة أكثر صحة وسعادة واستدامة.
* إعلامية وباحثة أكاديمية