د. توفيق السباعي

في عالم ذكاء الأعمال المدعوم بالذكاء الاصطناعي التوليدي، لم تعد الخصوصية بنداً قانونياً يُستكمل في نهاية أي مشروع، بل أصبحت جزءاً أصيلاً من هندسة القرار منذ لحظة الفكرة الأولى. فذكاء الأعمال اليوم لا يكتفي بعرض مؤشرات الأداء أو وصف ما حدث، بل يتنبأ بالاتجاهات، ويقترح القرارات، بل وقد يشارك في تنفيذها آلياً. ومع هذا التحول النوعي، تتضاعف المسؤولية؛ لأن أي خلل في إدارة البيانات قد يتحول من خطأ تقني إلى أزمة ثقة تمس سمعة المؤسسة واستدامتها.

عام 2026 يعيد تعريف معادلة النجاح المؤسسي. فالتشريعات العالمية تتطور، ومتطلبات الشفافية في الأنظمة المؤتمتة تتعمق، لكن الأهم من ذلك هو بروز مفهوم حوكمة البيانات كمعيار لنضج المؤسسات. لم يعد السؤال: «هل نلتزم بالقواعد؟» بل «هل نمتلك إطاراً واضحاً يحكم دورة حياة البيانات من جمعها إلى تحليلها واتخاذ القرار بناءً عليها؟». فالمؤسسات التي تدمج الحوكمة الأخلاقية في صميم بنيتها التحليلية لا تحمي نفسها فحسب، بل تبني ثقة طويلة الأمد مع العملاء والشركاء والمستثمرين.

منظومة ذكاء الأعمال تعتمد على بيانات شخصية دقيقة: سلوك العملاء، تفضيلاتهم، سجلاتهم، وأنماط تفاعلهم اللحظية. ومع دخول النماذج التوليدية إلى بيئات التحليل، تتوسع المخاطر لتشمل إدخال بيانات حساسة في أدوات ذكية دون ضوابط واضحة، أو تدريب نماذج على بيانات غير مصرح باستخدامها. وهنا تبرز أهمية الخصوصية بالتضمين (Privacy by Design)، أي أن تُبنى أنظمة التحليل وفق مبدأ تقليل البيانات والتشفير وإخفاء الهوية الشخصية والحوكمة المسبقة للقرار الآلي.

ولا يقل التحيز الخوارزمي أهمية عن أمن البيانات؛ فالبيانات تعكس الواقع الاجتماعي بما يحمله من تفاوت، وإذا لم تُختبر النماذج عبر فئات متعددة فقد تنتج قرارات غير متوازنة. لذلك أصبحت تقييمات الأثر على الخصوصية، واختبارات التحيز الدورية، وسجلات التدقيق، ركائز أساسية في حوكمة البيانات الحديثة. فالقيمة الحقيقية لا تُقاس بسرعة التحليل، بل بمدى عدالته وشفافيته وقابليته للتفسير أمام الجهات الرقابية والعملاء على حد سواء.

وعلى المستوى الوطني، عززت مملكة البحرين هذا التوجه عبر قانون حماية البيانات الشخصية رقم (30) لسنة 2018، وما تبعه من قرارات تنفيذية، أبرزها القرار رقم (42) لسنة 2022 المنظم لنقل البيانات الشخصية خارج المملكة، على نحوٍ يوازن بين انسيابية الأعمال ومتطلبات الحماية الكافية. كما شهدت المرحلة الأخيرة تعزيز الممارسات المؤسسية لحوكمة البيانات، عبر تنظيم آلية تعيين مسؤولي حماية البيانات في القطاعات المصنفة عالية المخاطر، في دلالةٍ واضحة على انتقال المنظومة من الإطار التشريعي إلى الممارسة التشغيلية. ويتكامل ذلك مع استمرار تبنّي سياسة «Cloud First» في القطاع الحكومي، والتوجه نحو حلول السحابة السيادية التي تعزز استضافة البيانات داخل المملكة، بما ينسجم مع مفاهيم سيادة البيانات وتعزيز الثقة الرقمية.كما يبرز في المرحلة الراهنة تركيز أكبر على جاهزية المؤسسات لإدارة الحوادث والإفصاح عنها، ورفع مستوى الوعي المؤسسي بحقوق أصحاب البيانات، بما يتماشى مع الاتجاهات العالمية في تعزيز الشفافية والمساءلة. هذا التطور يعكس إدراكًا متناميًا بأن حماية البيانات ليست مسألة تقنية فحسب، بل هي عنصر من عناصر الأمن الاقتصادي والاستقرار الرقمي.

الخلاصة أن حوكمة البيانات لم تعد مسألة تنظيمية فحسب، بل أصبحت استثمارًا استراتيجيًا طويل الأمد، لأنها الإطار الذي يضمن أن تتحول البيانات إلى قراراتٍ رشيدة ومسؤولة. فالمؤسسة التي تضع الحوكمة في قلب منظومتها التحليلية، وتتعامل مع البيانات كأمانة ومسؤولية، هي الأقدر على تحقيق نمو مستدام. وما بين الطموح التقني والمسؤولية المؤسسية زاويةٌ أخرى تستحق التوقف... نكملها في الإطلالة القادمة بإذن الله مع ظاهرة الذكاء الاصطناعي الظلي أو ما يُعرف بـ Shadow AI.