لطالما اعتُبرت المرأة منذ العصور القديمة ثقلاً وعبئاً على عاتق القبائل والمجتمعات، وكان لكل من حضارة من الحضارات طرقها وأساليبها للتخلص من هذه المرأة، كما هو الحال في الحضارة الهندية، أحرقتها.. الجاهلية دفنتها، والحضارة البابلية أغرقتها.
فقد فرضت حضارات وأمم متعاقبة على المرأة قوانين لم يُنزل الله بها من سلطان، فمنهم من حرم المرأة كل الحقوق الاجتماعية «القراءة والكتابة والثقافة....»، كما منعها من الإرث والحصول على الطلاق من زوجها واعتُبرت أنها لا تملك عقلاً أصلاً يُعتدّ به. وذكر البعض الآخر أن «الطبيعة لم تزوّد المرأة بأي استعداد عقلي يُعتدّ به». وفي الجاهلية فقد انتشرت عادة وأد البنات.. فكان يتمّ قتل البنات بعد الولادة اعتقاداً منهم بأن إنجاب البنات يجلب العار للآباء كما قال الله تعالى: «وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ»، «النحل: 58».
في حقيقة الأمر، لم تكن أوضاع المرأة في فرنسا أفضل حالاً من وضع مثيلاتها في إنجلترا، ففي الوقت الذي كان الإسلام وتعاليمه السمحة تقرّر بداهة اشتراك المرأة والرجل في صفة الإنسانية، كانت فرنسا منهمكة في رعاية مؤتمر عُقد في القرن السادس الميلادي، للوصول إلى معرفة حقيقة المرأة، هل هي من صنف الإنسان أم من صنف آخر؟ يا للعجب!!!
لذا تواجه المرأة المسلمة اليوم على وجه الخصوص تحديات التغريب وتقليد الآخرين، وللأسف فكثير من بنات المسلمين تأثَّرْن بمظاهر تلك الحضارة، وينعكس ذلك التأثُّر في بعض السلوكيات مثل: تقليد اللباس، والزينة، وصولاً لتقليد الأحاديث ثم الأفكار.
فالمرأة ركيزة أساسية في بناء المجتمع، ويبدأ دورها العملي منذ البلوغ، وذلك بصلاح نفسها وإعدادها لأن تصبح مدْرسَة وقدوة لأولادها وكل مَن يمكنها التأثير فيه أو هي عنه مسؤولة، وبهذا الإعداد تتمكَّن أكثر من أداء الأدوار المنوطة بها في كل مراحل حياتها، مع انتباهها المستمر لتطوير ذاتها في كل المجالات ذات العلاقة، وخصوصاً الشرعية والتربوية، ثم في مجالات عملها إن اختارت تخصصاً معيَّناً، مع المحافظة على سمْتها والتزامها ومراقبة ربها في كل ما تأتي من تصرفات وسلوكيات.
والمرأة جزءٌ أساسي لتنمية المجتمع ونهضته، وحين نرى تسابق الأمم وتنافسها لحيازة المستويات الأولى في كل مجالات الحياة والتفوق فيها؛ نجد أن كثيراً منها تستند إلى مبادئ وقيم يسيرون عليها ويؤمنون بها، ومن هنا ندرك أهمية دور المرأة المسلمة في بناء القيم والأخلاق وترسيخ المبادئ التي عليها ينشأ أبناء المجتمع المسلم، وبها يحققون التفوق والنجاح.
لقد جاء الإسلام ليجعل مكانة المرأة لا تقل عن مكانة الرجل، فهم متساوون في الحقوق والواجبات، فالقرآن الكريم يخاطب المؤمنين والمؤمنات في عشرات الآيات، ويؤكد أن الرجل والمرأة من أصل واحد «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً»، «النساء: 1»، ويقول تبارك وتعالى: «وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً»، «النساء: 124»، وقال تعالى: «وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى»، «النجم، 45»، وقال تعالى: «وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ»، «الروم: 21»، فهي صلة مودة ورحمة وليست صلة مادية وإنما أدبية وإنسانية رائعة بنيت على أسس متينة من المودة والرحمة والسكن والتقارب والالتزام وقال تعالى: «وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ»، «الذاريات: 49».
ويقول الله تبارك وتعالى في شأن إبليس: «إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثاً وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً لَّعَنَهُ اللّهُ)، وَقَالَ أي إبليس «لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مُّبِيناً يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُوراً»، «النساء: 117-120»، ويقول تعالى: «فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً»، «طه: 123-124».
لذلك علينا أن نلتزم بالتعاليم الربانية والسنة النبوية الشريفة رجالاً كنا أم نساءً والمتمسك بهما لا يضل ولا يشقى، ومن يُعرض عنهما خسر الدنيا والآخرة، فليس بعد كلام الله كلام.
اللهم احفظ بناتنا وبنات المسلمين ونساءنا ونساء المسلمين من شر الفتن ما ظهر منها وما بطن، واغرس فيهن الحياء والعفاف، اللهم واحرسهن من دعوات المفسدين، واجعل قدوتهن أمهات المؤمنين.