في عام 2022، نشرت من بين قصص الحرب التي تنشرها اليونيسيف، قصة طفل أوكراني كان يؤدي واجباته ويذاكر دروسه، في ملجأ تحت الأرض، لم يكن لدى ذلك الطالب مشاكل تتعلق بصعوبة الفهم، وحل المسائل، لكنه كان خلال الدراسة يتوقف كل بضع دقائق ليسأل: هل انتهى الخطر؟ في تلك الأوقات التي كان يقضيها في المذاكرة لم يكن يتعلم فقط، بل كان يحاول الشعور بالأمان أيضاً، هذه الحالة، رغم كونها مؤثرة؛ لأنها تتعلق بطفل، إلا أنها تكشف عن حقيقة أن التعليم لا يحدث في فراغ، بل يتشكل داخل ظروف نفسية واجتماعية، تحيط بالمتعلم، وربما تكون أقوى من أي منهج دراسي.
ما عاشه ذلك الطفل ليس حالة استثنائية، بل نموذج يتكرر كلما دخلت المجتمعات في حالة توتر، وهنا يتغير معنى التعليم نفسه؛ فبدل أن يكون مجرد عملية نقل للمعرفة، يصبح تجربة إنسانية كاملة يتعلم فيها الفرد كيف يفهم العالم من حوله، وكيف يتعامل مع القلق، وكيف يوازن بين الخوف والاستمرار، وهذا الأمر -رغم صعوبته- يحمل جانباً إيجابياً لا نلقي له بالاً في كثير من الأحيان، هنا يحصل المتعلم على ما يعرف بـ «التعليم غير الرسمي»؛ وهو تعليم لا يحصل عليه من الكتب، فهنا يتمكن من التمييز بين الحقيقة والشائعة، وكيف يبحث عن المعلومات من مصادر موثوقة، وكيف يفكر بشكل نقدي بدل أن يتلقى المعلومة بشكل سلبي، وهذه بحد ذاتها مهارات ربما تكون أهم عن أي مادة دراسية، لأنها تكون أكثر رسوخاً وبقاءً وتأثيراً في حياته المستقبلية، إلى جانب ذلك، تسهم الأزمات في بناء نوع خاص من الصمود النفسي، وهذا لا يعني أننا ننكر أن القلق حاضر، لكن القدرة على الاستمرار بمصاحبة القلق هي بحد ذاتها مهارة، الطالب الذي ينجح في التركيز -ولو جزئياً- في بيئة فيها نوع من القلق والتوتر، يكتسب قوة داخلية لا تُدرّس في الفصول التقليدية، وهنا يكون دور الأسرة محورياً، فيجب ألا تكون مصدراً إضافياً للقلق، ويجب أن توفر مساحة طمأنينة وتفسير هادئ للأحداث، بالإضافة إلى المدرسة التي يجب عليها ألا تتجاهل ما يحدث خارج جدرانها، بل يمكنها أن تفتح مساحة للحوار، تسمح للطلبة بالتعبير عن مخاوفهم وطرح أسئلتهم، فالتعليم الحقيقي لا يقتصر على شرح الدروس، بل يشمل أيضًا بناء إنسان قادر على الفهم والتكيف.
من زاوية أوسع، تكشف الأزمات عن فرصة لإعادة التفكير في مفهوم التعليم نفسه، فمسألة إعداد الطلبة لاجتياز الاختبارات فقط، لم تعد كافية، بل يجد أن يعدهم لمواجهة الحياة بكل تعقيداتها، إن إدخال مهارات مثل التفكير النقدي، وإدارة التوتر، والوعي بالمعلومات، لم يعد خيارا، بل ضرورة يفرضها الواقع، وما نراه في الأزمة من أوقات اضطراب وخوف، هو في الواقع يحمل فرصة لتشكيل جيل أكثر وعياً وصلابة، جيل لا يتعلم فقط ما في الكتب، بل يتعلم كيف يقرأ العالم، وكيف يحافظ على توازنه في أصعب الظروف، قد لا نستطيع منع الأزمات من الحدوث، لكننا نستطيع أن نختار كيف نُعلّم أبناءنا أن يواجهوها.