ما تشهده منطقتنا منذ السبت 28 فبراير 2026 من هجمات واعتداءات إيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، استهدفت أراضي مملكة البحرين، وطالت دول الخليج العربي؛ يرسّخ حقيقةً مفادُها أن أمن الخليج كلٌّ لا يتجزأ، وأن الكلفة لا تميّز بين بيتٍ وبيت. ومع أن المشهد يوحي بالاضطراب، إلا أن البحرين في مثل هذه اللحظات تُظهر حقيقتها الأعمق: دولةٌ تقرأ الخطر بعقلٍ حكيم، وتواجهه بإرادةٍ ثابتة، وتُحسن إدارة القلق قبل أن يتحول إلى فوضى.
في ظل هذا العدوان الآثم، تتضافر جهود مؤسسات الدولة لتؤدي واجبها بكفاءةٍ عالية؛ فمنظومات الدفاع الجوي الصاروخي التابعة لقوة دفاع البحرين الباسلة تحمي سماء الوطن وتتصدى للأهداف المعادية بفاعلية، فيما تنظّم وزارة الداخلية والجهات المعنية الاستجابة الميدانية والتبليغ والتوجيه؛ في جاهزيةٍ لم تُبنَ في يومٍ واحد، بل تشكّلت عبر تدريبٍ واستثمارٍ طويل في أمن البلاد. وعلى خطٍّ موازٍ، يتحرّك المسار الدبلوماسي عبر وزارة الخارجية لتثبيت الموقف السيادي وصون المصالح الوطنية، بينما تتولّى وزارة الإعلام ومركز الاتصال الوطني توحيد الرسالة وتقديم المعلومة الرسمية الدقيقة في وقتها، وقطع الطريق على الشائعات التي تستهدف وعي المجتمع قبل أمنه. وفي هذا السياق، يتعزّز خطّ الحماية بإسهام إدارة مكافحة الجرائم الإلكترونية التابعة لوزارة الداخلية عبر الرصد والمتابعة لما يُنشر في الفضاء الرقمي، واتخاذ الإجراءات القانونية ضد من يسيء استخدام المنصات عبر تصوير ونشر مواد مرتبطة بالاعتداءات بما قد يضرّ بالأمن والنظام العام؛ فحرية الرأي لا تُبيح كشف ظهر الوطن للعدو، ولا تسمح بتحويل الخطر إلى استعراض تحت أي مبرر.
وتكتمل الصورة حين تترجم الدولة هذا الانضباط إلى قراراتٍ إنسانيةٍ وإداريةٍ سريعة؛ إذ بادرت الجهات المختصة منذ اليوم الأول إلى تأمين الأهالي والمقيمين في الجفير بإجلائهم إلى مواقع إيواء مؤقتة داخل مبانٍ مدرسية وتجهيزها بما يلزم، في خطوةٍ مسؤولة تُقدّم سلامة الإنسان على أي اعتبار، بالتوازي مع تفعيل الدراسة عن بُعد وإتاحة خيار العمل عن بُعد لنسبة 70% من موظفي الحكومة، مستندةً إلى بنيةٍ تحتية رقمية متطورة أثبتت جاهزيتها وكفاءتها، بما يضمن استمرارية الخدمات وانتظام العمل دون انقطاع.
هكذا تُدار الأزمة بعقل الدولة؛ لتصل رسالة الطمأنة واضحة للمواطنين والمقيمين: أن البحرين تُحرس سماءها بعينٍ لا تنام، وأن وراء الهدوء خططًا جاهزة، وأن خلف كل إنذارٍ مبكرٍ عقولًا يقِظة تُدير المشهد بحسٍّ وطني يجعل سلامة الإنسان واستمرار الحياة العامة أولويةً لا تقبل التهاون.
ويبقى الوطن هو الحقيقة التي لا تُبدَّل، والعهد الذي لا تنال منه العواصف. نعم، البحرين - بتاريخها الضارب في الحكمة، وبقيادتها التي تعرف كيف تحمي الاستقرار وتصون الكرامة، وبشعبها الأصيل الذي لا يخذل بيتَه - أكبر من أن تهزّها أصواتٌ نشاز، وأقوى بوحدة أهلها، وأرسخ بثقة شعبها بقيادته ومؤسساته. واليوم، واجب اللحظة واضح: التزامٌ بالتعليمات، وحمايةٌ للمعلومة، واصطفافٌ حول الدولة، وكلمةٌ مسؤولة تُطفئ القلق بدل أن تنفخه. وإذا كان الدرع في السماء يعترض المقذوفات، فإن الدرع في الداخل هو ضميرٌ حيّ يرفض الكراهية، ويصون الوحدة، ويثق بقيادته، ويحفظ كرامته وكرامة الأرض التي احتضنته.
وفي الختام، نؤكد وقوفنا صفّاً واحداً خلف راية الوطن، بقيادة حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظّم حفظه الله ورعاه، مجدّدين ثقتنا التامة في إجراءات الحكومة الموقرة برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله، لصون أمن البحرين واستقرارها ومواجهة هذا العدوان الغاشم. نسأل الله أن يحفظ البحرين قيادةً وشعبًا، وأن يحفظ قواتنا الباسلة ورجال أمننا الأشاوس المرابطين؛ وأن يُسدِّد رميهم ويقوّي عزائمهم ويكتب لهم السلامة والأجر.. لتبقى البحرين، بعون الله، واحةَ أمنٍ لا تهزمها العواصف وإن اشتدت، ولا يُطفئ نورها أيُّ تحدٍّ مهما بلغ.