في العلاقات بين الدول قد يكون الاعتذار خطوة شجاعة لخفض التوتر، وقد يفتح أحياناً باباً لإعادة بناء الثقة. لكن الاعتذار يفقد معناه بالكامل عندما يأتي بعد العاصفة، وحين يصدر بينما العاصفة مازالت مستمرة.
هذا بالضبط ما حدث عندما خرج الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان معتذراً لدول الجوار. فالكلمات جاءت متأخرة، بعد أن سبقتها الصواريخ.
الوقائع التي سبقت هذا الاعتذار، بل والتي لحقت به بعد دقائق فقط، تجعل من الصعب التعامل معه باعتباره موقفاً سياسياً جاداً. ما بدا في الظاهر رسالة تهدئة، لم يكن في الحقيقة سوى محاولة متأخرة لاحتواء أزمة صنعتها طهران بنفسها.
الأرقام وحدها تكفي لفهم حجم ما جرى. ففي غضون أسبوع واحد فقط تم إطلاق أكثر من 2200 مقذوف ما بين صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة باتجاه دول الخليج العربي. هذا الرقم لا يمكن تفسيره بسوء تقدير، ولا يمكن تبريره برسالة ردع محدودة. نحن أمام هجوم واسع النطاق استهدف دولاً لم تطلق رصاصة واحدة نحو إيران.الأكثر صدمة أن عدد المقذوفات التي وُجهت نحو دول الخليج العربي يفوق بنحو ثمانية أضعاف ما أُطلق باتجاه إسرائيل في الفترة نفسها. وهذه الحقيقة وحدها تكشف بوضوح أين كان التصعيد الحقيقي، وتطرح سؤالاً لا يمكن لطهران الهروب منه: من كان الهدف الفعلي لهذا الهجوم؟!
المفارقة الأكثر خطورة أن الاعتذار لم يتزامن حتى مع توقف الهجمات. فبعد دقائق فقط من خطاب التهدئة، تحدثت التقارير عن ضربات جديدة استهدفت البحرين، وعن إصابة منشأة داخل مطار دبي الدولي، أحد أهم المطارات المدنية في العالم وأكثرها ازدحاماً. كيف يمكن لدول المنطقة أن تصدق خطاباً سياسياً يناقضه الواقع في اللحظة نفسها؟!
حين تتجه الصواريخ والطائرات المسيّرة نحو مطارات مدنية ومنشآت نفطية ومراكز اقتصادية يعيش عليها ملايين البشر، فإن الحديث لم يعد عن رسائل سياسية أو استعراض قوة. نحن أمام استهداف مباشر لأمن شعوب كاملة، وأمام محاولة واضحة لجر المنطقة إلى دائرة الفوضى.
دول الخليج العربي لم تكن في حالة حرب مع إيران. بل على العكس، وعلى مدى عقود طويلة حاولت هذه الدول تجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة معها، وسعت في أحيان كثيرة إلى تخفيف التوتر وفتح قنوات للحوار. لكن ما جرى خلال الأيام الماضية نسف تلك المساعي بالكامل. فاللغة التي استخدمتها طهران لم تكن لغة دبلوماسية ولا سياسية، بل لغة الصواريخ. والمدن التي كانت تعيش في استقرار تحولت فجأة إلى أهداف في حسابات التصعيد.
هنا يبرز السؤال الذي لم تجب عنه طهران حتى الآن: بأي منطق يمكن تبرير استهداف مطارات مدنية؟! وهل تحولت مطارات الخليج العربي إلى قواعد عسكرية؟! وهل أصبحت مصافي النفط وشبكات الطاقة التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي أهدافاً مشروعة في حسابات السياسة الإيرانية؟!
ما حدث لا يهدد الخليج العربي وحده. بل يضع إيران نفسها أمام عزلة إقليمية غير مسبوقة. فالدول التي تدافع اليوم عن أجوائها ومدنها قد تجد نفسها، إذا استمر هذا المسار، مضطرة للانتقال من الدفاع إلى الردع. وهنا ربما يمكن فهم الاعتذار الإيراني بوصفه إدراكاً متأخراً لحجم المأزق الذي وضعت طهران نفسها فيه. فاستهداف دول الخليج العربي بآلاف الصواريخ لن يؤدي إلا إلى نتيجة واحدة، توحيد المنطقة سياسياً وأمنياً في مواجهة هذا التهديد.
حين يشعر المواطن في الخليج العربي بأن مدنه تُستهدف، وأن مطارات بلاده ومنشآتها الحيوية تقع تحت القصف، فإن كلمات الاعتذار لن تكون كافية لإقناعه بأن ما جرى مجرد خطأ أو سوء تقدير. الثقة، حين تُقصف بالصواريخ، لا تعود بسهولة.
واليوم، بعد أكثر من 2200 صاروخ ومسيّرة خلال أسبوع واحد، لم تعد القضية ما إذا كانت إيران ستعتذر أم لا. القضية أن المنطقة بأكملها وصلت إلى نقطة أصبح فيها من المستحيل تصديق ما تقوله طهران. فالاعتذار قد يمحو الكلمات القاسية، لكنه لا يمحو الصواريخ. وأصلاً نحن نعرف أنكم «كاذبون».
اتجاه معاكس
لم تكن المشكلة يوماً في نقص المبادرات أو فرص التهدئة، بل في «وهمٍ» حاولنا لعقود أن نصدقه؛ أن النظام الإيراني يمكن أن يتصرف كدولة جارة طبيعية.
لكن ما حدث خلال الأيام الماضية أسقط هذا الوهم بالكامل.
لقد حاول الخليج العربي طويلاً أن يمد يده لتجنب المواجهة، وأن يتعامل مع طهران بمنطق الجوار والمصالح المشتركة. لكن الصواريخ التي سقطت أخيراً كشفت الحقيقة القاسية؛ المشكلة لم تكن في سوء فهم، بل في نظام لا يرى في جيرانه شركاء، بل أهدافاً.
تعاملنا معه كجار، لكنه ظل يتعامل معنا كساحة حرب.