كتب غازي القصيبي مقالته الشهيرة «المحايدون!» في لحظة عربية مضطربة، حين ظهر خطاب يرفع شعار الحياد وسط مشهد واضح المعالم، «دولة تتعرض للغزو وحدود تُخترق» يومها طرح القصيبي فكرة بقيت حاضرة في الذاكرة السياسية العربية؛ فكرة أن الحياد يفقد معناه عندما يصبح الوطن نفسه في دائرة الخطر.

المنطقة اليوم تعيش لحظة شبيهة في جوهرها، صواريخ تعبر الحدود، وطائرات مسيّرة تحلق فوق المدن، وخطاب يردد أن الاستهداف يطال «القواعد الأمريكية» فقط، وهذه الرواية تتجاهل حقيقة بسيطة، وهي أن الأرض التي تعبرها الصواريخ أرض دولة ذات سيادة، والسماء التي تعلوها سماء مدن يعيش فيها الناس.

السيادة ليست مساحة فراغ تُدار فوقها الرسائل العسكرية، فالسيادة تعني مجتمعاً وأحياء وبيوتاً وطرقاً ومدارس، وكل اعتداء يمر عبر هذه الجغرافيا يضع الوطن كله في دائرة الاستهداف، مهما حاولت الخطابات السياسية تضييق المعنى أو إعادة تعريفه.

هناك بعض الأصوات احتفت بهذه الضربات تحت عنوان «ضرب المصالح الأمريكية» وهذا المنطق يختزل الدولة في نقطة عسكرية على الخريطة، ويغفل أن الصاروخ حين ينطلق يتجه إلى فضاء وطن كامل، وأمن البحرين جزء من أمن الخليج العربي، واستقرار الخليج العربي منظومة واحدة تتأثر بكل اهتزاز يقع في أي زاوية منه.

إن الفرح بإصابة جيش الاحتلال مفهوم في وجدان الشعوب، خصوصاً مع ما يعيشه أهل غزة من مأساة إنسانية مستمرة، غير أن قراءة المشهد الإقليمي تتطلب قدراً أعلى من الوعي، فالصواريخ التي ظهرت اليوم فوق سماء المنطقة غابت طوال عامين من الإبادة في غزة، وهذه المفارقة تكشف طبيعة الحسابات التي تحكم صراعات القوى في الإقليم. إن القضية الفلسطينية تظل قضية العرب المركزية، وأهل غزة يستحقون نصرة صادقة تحمي دماءهم وتدفع عنهم آلة الحرب، وفي الوقت نفسه يبقى أمن الدول العربية وسيادتها مسؤولية لا تقبل المساومة أو التبرير تحت أي شعار.

وفي البحرين يتجلى معنى الوطن بصورة واضحة، رجال قوة دفاع البحرين ووزارة الداخلية يقفون في خطوط المسؤولية لحماية السماء والبحر والناس، خلفهم مجتمع يعرف قيمة الاستقرار ويعرف أن أمن البلاد أساس الحياة اليومية لكل من يعيش على هذه الأرض.

تلك اللحظات الصعبة تكشف معدن المجتمعات، وفي مثل هذه الظروف يظهر معنى التلاحم الوطني، ويتقدم الوعي الجمعي الذي يضع أمن الوطن في موقع الأولوية، فالاصطفاف حول الدولة تعبير طبيعي عن الانتماء، وتجسيد لفكرة بسيطة وهي أن البيت الواحد يحميه أهله جميعاً.

وفي مثل هذه الظروف تصدر البيانات من الأفراد ومؤسسات المجتمع المدني، وهذه البيانات ليست مسابقات لإثبات الوطنية، فالوطنية في البحرين راسخة في ضمير مجتمعها، قيمة هذه البيانات تكمن في معناها الحقيقي، التلاحم الوطني، والالتفاف حول القيادة، وشدّ الأزر في لحظة تتطلب وحدة الصف ووضوح الموقف.

كما أن البيانات التي تتجنب تسمية العدوان أو تتردد في إدانة إيران تتحول إلى نصوص خاوية من المعنى، لأن المرحلة التي تمر بها المنطقة تحتاج خطاباً واضحاً لا يقف في المساحات الرمادية، فنحن أمام اعتداء مباشر على سيادة دولة، وفي مثل هذه اللحظات يتقدم الموقف الصريح، إذ إن زمن الصواريخ لا يتسع لخطاب الحياد.فالبحرين عبر تاريخها كانت أرض تلاقٍ حضاري وميناء مفتوحاً للتجارة والمعرفة، وهذه الجزيرة الصغيرة حملت على امتداد القرون روح الانفتاح والاستقرار، والحفاظ على هذا الإرث مسؤولية مشتركة تتجاوز الخلافات السياسية العابرة.

في زمن الحرب والصواريخ، تتضح البوصلة أكثر من أي وقت آخر، فالوطن يقف في مركز المشهد، وحوله يقف أبناؤه صفاً واحداً، هذا الموقف يعبّر عن معنى الانتماء الذي يتجدد كلما مرت البلاد بمرحلة اختبار.