محسن علي الغريري

في أوقاتٍ تتسارع فيها الأخبار، وتكثر فيها التحليلات، وتتداخل فيها مشاعر القلق مع الأسئلة عن المستقبل، تتجلى في الأذهان حقيقة بسيطة، لكنها عميقة المعنى «البحرين التي نعرفها».

وفي مثل هذه الأوقات التي تمر بها المنطقة، يتجه الناس بطبيعتهم إلى التأمل في قيمة الأمن والاستقرار، وإلى استحضار النعم التي يعيشونها في أوطانهم، فكلما تسارعت الأحداث من حولنا، ازداد إدراكنا لقيمة الطمأنينة التي نعيشها، ولأهمية التماسك المجتمعي الذي ظلّ دائماً أحد أعمدة قوة البحرين.

لقد مرّت المنطقة عبر العقود الماضية بمحطات كثيرة، تغيرت فيها الأحوال، وتبدلت فيها الظروف، لكن البحرين بقيت – بفضل الله – نموذجاً لمجتمعٍ متماسك يعرف كيف يتجاوز الظروف بتكاتف أبنائه، فهذه الأرض الصغيرة في مساحتها كانت دائمًا كبيرة بروح مجتمعها، وبوعي أهلها الذين أدركوا أن استقرار الوطن مسؤولية مشتركة، وأن قوته تبدأ من تماسك المجتمع قبل أي شيء آخر.

البحرين التي نعرفها هي بلد الأمن والسلام، تلك النعمة التي أصبحت جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية، أن يخرج الإنسان إلى عمله مطمئنًا، وأن يعود إلى منزله آمنًا، وأن ينشأ الأبناء في مجتمعٍ يعرف الاستقرار ويقدّر الطمأنينة، وقد تبدو هذه النعمة بسيطة لمن اعتادها، لكنها في الحقيقة من أعظم النعم التي يدرك قيمتها من افتقدها.البحرين التي نعرفها هي وطن صغير في مساحته، كبير بأهله، متماسك بمجتمعه، مجتمع تعلّم عبر الزمن أن قوته الحقيقية ليست في الحجم ولا في الإمكانات المادية، بل في روح التضامن التي تجمع أبناءه، وفي شعورٍ عميق بأن هذا الوطن بيتٌ واحد يجمع الجميع.

والبحرين التي نعرفها هي ذلك الاستعداد الدائم لدى أبنائها للوقوف مع دولتهم ومؤسساتها، والإيمان بأن استقرار الوطن مسؤولية مشتركة، وأن حماية مكتسباته لا تقع على عاتق جهة واحدة، بل هي مسؤولية يتقاسمها المجتمع بأسره.

ومن ينظر إلى المجتمع البحريني يدرك أن من أعظم نعم البحرين هو هذا النسيج الاجتماعي المتماسك، مجتمع يعرف التسامح، ويؤمن بالتعايش، ويعتز بتنوعه، ويجمعه شعور واحد بأن البحرين بيت للجميع، وقد تجلت هذه الروح عبر تاريخها حين أصبحت نقطة التقاءٍ للحضارات، ومكانًا يحتضن الاختلاف، دون أن يفقد وحدته، فالناس يعرف بعضهم بعضًا، وتتداخل فيه القرى والمدن بروابط إنسانية واجتماعية عميقة، يتزاور أهلها في السراء والضراء، ويقفون مع بعضهم البعض في الأفراح والأحزان، حتى أصبح ما يحدث في أي مكان من الوطن شأناً يشعر به الجميع، وكأن البحرين بيت واحد تتقاطع فيه العلاقات والقلوب.

ولعل من أجمل ما في هذا المجتمع أن تلك الروابط كانت دائمًا مصدر قوة وطمأنينة، فهي التي تجعل الإنسان يشعر بأن حوله مجتمعاً يسنده ويقف معه، وأن التحديات حين تمرّ لا يواجهها الأفراد وحدهم، بل يواجهها المجتمع بروحٍ واحدة.

ومن هنا تنبع تلك الثقة الهادئة في المستقبل، فالتجارب علمتنا أن الأوقات الصعبة – مهما بدت ثقيلة في لحظتها – تمرّ، وتتحول مع الأيام إلى محطات نتذكرها بعد أن نتجاوزها، فنخرج منها أكثر وعياً وتماسكاً، وأكثر تقديراً للنعم التي نعيشها في هذا الوطن.

وفي نهاية المطاف، تبقى الحقيقة التي يعرفها كل بحريني: أن الأوطان قد تقاس بمساحتها على الخرائط، لكن البحرين تُقاس دائمًا بقلوب أهلها، ولذلك كانت قوتها الحقيقية – وستبقى – في وعي مجتمعها، وفي ثقته بأن المستقبل، مهما مرّ بتحديات، سيبقى أفضل بإذن الله.