بعض البحرينيين والعرب يرون في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل مع إيران على أنها صراع ديني بين حق وباطل، وبين معسكر خير وآخر شرير لا يهدف سوى لإشعال الحروب.

هذه السردية الشعبوية تنتشر داخل الأوساط الشيعية المتعاطفة مع الجمهورية الإسلامية الايرانية بدوافع مذهبية بحتة، حيث يتم تصوير الحرب كصراع عقائدي دون إدراك حقيقة أن السياسية في أصلها ليست سوى لعبة مصالح، لا يمكن أن تخضع لمبادئ سامية.

إن الدول في علاقاتها الخارجية تتحرك بدافع المصالح، بما في ذلك إيران نفسها التي تنسج روابطها مع عواصم العالم وفق حسابات تقودها براغماتية سياسية.

لقد أبرمت إيران صفقة مع روسيا لبيعها طائرات مسيرة من طراز «شاهد-136»، التي استخدمتها موسكو على مدى سنوات في ضرب منشآت الطاقة والبنية التحتية المدنية في أوكرانيا.

كذلك، أقدمت طهران على دعم جيش ميانمار بالأسلحة، وهو جيش انقلب على حكومة منتخبة ديمقراطيًا، ومتهم دوليًا بارتكاب جرائم إبادة جماعية بحق أقلية الروهينغا المسلمة.

وإذا كانت إيران هي «معسكر الحق» في الثنائية الدينية المتصورة؛ فكيف تذهب إلى دعم جيش متهم باضطهاد مسلمين؟!

والإجابة هنا تكمن في حقيقة أن العلاقات الدولية تقدم المصالح على المبادئ؛ فطهران واجهت عقوبات غربية قاسية جعلت منها تبحث عن العملة الصعبة بأي طريقة ممكنة.

وهنا تتأكد حقيقة أن الدول، حتى وإن رفعت شعارات دينية أو أيدولوجية، فإنها تتصرف في النهاية وفقًا لمصالحها.

أما الحرب الحالية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، فهي في أساسها نتاج عن عقود من الخلافات السياسية والاستراتيجية بين طهران وواشنطن.

والحرب نفسها ليست سوى أداة عنيفة تُستخدم عندما تفشل الوسائل الدبلوماسية الأخرى لتحقيق هدف سياسي.

والأهداف الأمريكية الإسرائيلية من هذه الحرب تتمثل في منع إيران من امتلاك السلاح النووي، في ظل نظام ينثر شعار «الموت لأمريكا» في الهواء كأكسجين يتنفسه الشعب منذ 47 عامًا.

بالإضافة إلى ذلك، موّلت طهران وسلّحت شبكة من الوكلاء في دول المنطقة تقوم على مبدأ «الدفاع المتقدم» خارج الحدود، وهذه السياسة الإقليمية المدمرة، التي استنزفت مليارات الدولارات في ساحات متعددة، جاءت في وقت يعيش فيه الشعب الإيراني في براثن الفقر، رغم أن بلاده تملك واحدًا من أكبر احتياطيات النفط والغاز في العالم.

المؤكد أن هندسة الحروب لا تتم داخل الكنائس أو المساجد، بل هي عملية صنع قرار محسوبة بدقة في غرف سياسية توازن الاعتبارات الاستراتيجية والقدرات العسكرية والنفوذ.

وبالعودة إلى طهران، فإن عملية استهداف المرشد الإيراني الأعلى، علي خامنئي، تأتي في ظل رغبة المعسكر الأمريكي الإسرائيلي في إقصاء قائد سياسي لدولة تعتبرها معادية.

وفي هذا السياق، فإن خامنئي نفسه بالإضافة لكونه مرجع ديني شيعي، لكنه أيضًا يقود نظامًا سياسيًا يمتلك مشروعًا إقليميًا واضحًا.

هذه الازدواجية بين الدور الديني والدور السياسي تجعل من الصعب على كثيرين الفصل بين القبعتين اللتين كان المرشد الإيراني يرتديهما.

في المحصلة، إن الدول تتحرك وفق حسابات معقدة بهدف تحقيق أهدافها بوسائل مختلفة، من الدبلوماسية إلى الاقتصاد، وصولاً للحرب عندما تعجز تلك الأدوات عن تحقيق نتيجة ملموسة.