ليست الدول الكبيرة في معناها العميق هي تلك التي تكتفي بامتصاص الصدمة، بل تلك التي تعرف كيف تحوّل لحظة الاستهداف إلى لحظة تثبيت للمكانة.

وهذا ما فعلته مملكة البحرين في خضم الاعتداءات الإيرانية الآثمة التي طالتها وطالت عدداً من دول الخليج العربي والمنطقة؛ إذ لم تنكفئ إلى الداخل، بل قدمت صورة الدولة التي تُحكم جبهتها الوطنية أولاً، ثم تنطلق من هذا الرسوخ إلى فضائها الخليجي والدولي بثقةٍ واتزان.

وفي هذا المعنى تحديداً، لم يكن الثبات الداخلي نهاية المطاف، بل كان بداية الحضور الأوسع، وأساس الخطاب الذي وجد صداه في المواقف الخليجية والدولية المتلاحقة.

لقد كان الثبات الداخلي هو الأساس الذي انطلق منه هذا الحضور الخارجي.

فالدولة التي حافظت على تماسك مؤسساتها، ويقظة أجهزتها، واستمرارية خدماتها، وطمأنت مجتمعها، لم تكن تتحرك من موقع الارتباك، بل من موقع الثقة والقدرة على الإمساك بزمام الموقف.

وقد ظهر ذلك ميدانياً في نجاح منظومات الدفاع الجوي البحرينية في اعتراض الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة، وفي إحكام السيطرة على المشهد، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق كل من تسوّل له نفسه العبث بأمن الوطن أو الإضرار باستقراره، إلى جانب دحض الشائعات، والتصدي لكل الممارسات التي تضر بالروح الوطنية أو تعرقل الجهود الرسمية.

وبالتوازي مع هذا الثبات الداخلي، تجلّى الإسناد الخليجي بوضوح، لأن الموقف الذي تبلور خليجياً قرأ الاعتداءات الإيرانية الآثمة كما ينبغي أن تُقرأ: مساساً مباشراً ببنية الأمن الخليجي، واختباراً جاداً لمعنى المصير المشترك ووحدة القرار.

وحين يقال إن أمن دول مجلس التعاون كلٌّ لا يتجزأ، فإنما يُقال ذلك من موقع الحقيقة السياسية والاستراتيجية.

ذلك أن استهداف دولة من دول المجلس ليس إلا استهدافاً لمعادلة الاستقرار الإقليمي برمتها، وأن حماية المنطقة لا تُدار بمنطق التجزئة، ولا تُواجه بعقلية الانكفاء، بل بإرادة جماعية تدرك أن التهديد، متى ما لامس طرفاً، فإن صداه يطال الجميع.

ثم اتسع المشهد على نحوٍ أكد أن ما جرى لم يعد شأناً إقليمياً محدود الدائرة، بل بات جزءاً من معادلة أشمل تتداخل فيها اعتبارات القانون الدولي، وأمن الملاحة، واستقرار الطاقة، وسلامة الاقتصاد العالمي.

فحين تتعاظم التداعيات المرتبطة بمضيق هرمز، ويزداد القلق الدولي على سلاسل الإمداد وحركة التجارة والأسواق، يصبح أمن الخليج قضية تتجاوز حدود الجغرافيا إلى صميم الاستقرار الدولي نفسه.

وهنا تتجلى دلالة الحضور البحريني في أرفع صورها؛ إذ لم يعد مقتصراً على تثبيت حقها السيادي، أو عرض موقفها القانوني، بل أصبح إسهاماً في ترسيخ وعيٍ دولي متنامٍ بأن استقرار هذه المنطقة ضرورة تمس جوهر توازن النظام العالمي ومصالحه الحيوية.

وفي هذا كله، تتجلى قيمة الدبلوماسية البحرينية حين تُختبر في المنعطفات الحاسمة. فالدبلوماسية لا تُقاس فقط بعدد اللقاءات والبيانات، بل بقدرتها على بناء الثقة قبل الأزمة، ثم استثمار هذه الثقة حين تقع الأزمة، وتحويل الرواية الوطنية من نطاقها المحلي إلى قضية مفهومة ومسنودة في الإقليم والعالم.

وهنا ظهرت البحرين كما ينبغي للدول الراسخة أن تظهر: بالمصداقية، وبرصانة الدولة التي تعرف كيف تدافع عن أمنها وأمن محيطها الإقليمي، من غير أن تفقد لغتها المتزنة، ولا موقعها الأخلاقي، ولا قدرتها على الجمع بين صلابة السيادة ونبل الموقف.

وفي المحصلة، لم تكن هذه الأزمة امتحاناً لصمود البحرين فقط، بل كشفت المعنى الأعمق للدولة حين تُرتب بيتها الداخلي جيداً، وتُحصّن وعي مجتمعها، وتحافظ على تماسك مؤسساتها؛ أثبتت بذلك أنها الأقدر على أن تُسمِع صوتها في الخارج، وأن تفرض احترامها في دوائر القرار الأوسع.

فالثبات حين يكون وعياً منظماً وإرادة مسؤولة وبصيرةً في إدارة اللحظة يرتقي إلى مقام المكانة. تلك هي الرسالة الأبلغ التي كرّستها التجربة البحرينية في هذه المرحلة.. كل عام والبحرين وقيادتها الرشيدة وشعبها الوفي بخير. وللحديث بقية.