لطالما كانت مملكة البحرين نموذجاً ثابتاً في تبني نهج الاعتدال، وداعيةً صادقةً للسلام، رغم ما واجهته من سياسات عدائية صادرة عن النظام الإيراني تجاه قيادتها وشعبها. ومع ذلك، لم تحِد البحرين عن التزاماتها القائمة على الحوار واحترام السيادة وعدم التدخل، في مقابل سلوكٍ إيراني اتسم في مراحل عديدة بالتصعيد وفرض الأمر الواقع.

وعلى امتداد السنوات الأخيرة، حرصت البحرين على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، حيث بادرت في عام 2024 إلى تقديم التعازي في وفاة الرئيس الإيراني السابق، ووافقت على الانخراط في مسار تفاوضي لاستئناف العلاقات، وشاركت في مراسم تنصيب الرئيس الجديد، في خطوات عكست التزاماً حقيقياً بمبادئ حسن الجوار.

غير أن تطورات الحرب الأخيرة كشفت عن تباينٍ صارخ بين الخطاب والممارسة؛ إذ استُبدلت لغة التهدئة بأدوات القوة، وتحوّلت تعهدات الجوار إلى أنماط من السلوك العسكري العابر للحدود، في مخالفة واضحة لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وعلى رأسها حظر استخدام القوة واحترام سيادة الدول وسلامة أراضيها.

وقد أظهرت هذه التطورات أن محاولات فرض معادلات ردع عبر التصعيد الإقليمي لم تؤدِ إلا إلى نتائج عكسية، حيث عززت من تماسك دول مجلس التعاون الخليجي، ورسّخت قناعة استراتيجية بضرورة تطوير القدرات الدفاعية الذاتية، استناداً إلى الحق الأصيل في الدفاع عن النفس وفقاً للقانون الدولي.

وفي هذا السياق، يبرز التناقض في السلوك الإيراني بين خطاب دبلوماسي ينفي المسؤولية، وممارسات ميدانية تشير إلى تصعيد واسع باستخدام أدوات عسكرية متقدمة، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول الالتزام بقواعد المسؤولية الدولية للدول.

كما لا يمكن تجاهل التداعيات الخطيرة لهذا الصراع على أمن الطاقة العالمي، إذ لم يعد تعطيل الإمدادات مجرد أثر جانبي، بل أصبح أداة ضغط تمس استقرار الاقتصاد الدولي، وتلقي بظلالها على الأسواق العالمية.

وفي سياق أوسع، تكشف هذه الأزمة عن خللٍ متكرر في إدارة الصراعات الدولية، يتمثل في اتخاذ قرارات عسكرية كبرى دون تنسيق كافٍ أو مشاورات معمقة مع دول المنطقة، ودون تقدير شامل للانعكاسات الجيوسياسية. فمثل هذه المقاربات تجعل دول الإقليم تتحمل الكلفة الأكبر، لتصبح المتضرر الأول من نزاعات لم تكن طرفاً في صناعتها ولا في قرار اندلاعها، وهو ما يثير تساؤلات مشروعة حول مدى اتساق هذه الممارسات مع قواعد المسؤولية الدولية ومبادئ حسن النية.

وتبدو إيران اليوم في موقع استراتيجي معقد، تحاول من خلاله الموازنة بين خطاب يسعى لتخفيف العزلة، وسلوك ميداني يفاقم التوتر، في مشهد يعكس غياب رؤية مستقرة لإدارة الأزمات.

وفي الخاتمة، لم تعد المرحلة تحتمل رهانات خاطئة أو حسابات مؤجلة؛ فإما أن يُعاد ضبط سلوك الدول وفق قواعد القانون الدولي واحترام سيادة الدول، أو أن المنطقة مقبلة على دورات مفتوحة من عدم الاستقرار. وهنا، فإن دول مجلس التعاون الخليجي مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بالانتقال من موقع التفاعل إلى موقع المبادرة، عبر صياغة استراتيجية جماعية أكثر صرامة واستقلالية، لا تكتفي بردّ الفعل، بل تفرض معادلة توازن تحمي مصالحها، وتُعيد تعريف قواعد الاستقرار في الإقليم.

* قبطان - رئيس تحرير جريدة «الديلي تربيون» الإنجليزية