يبدو توم براك اليوم أكثر من مجرد سفير أمريكي فوق العادة؛ فهو في جوهر دوره أحد الوجوه التي تعكس التحول في الذهنية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، والشخصية المحورية التي يراهن عليها الرئيس ترامب في إعادة صياغة مفهوم جديد للحضور الأمريكي إقليمياً. لذلك فإن وصفه بـ»رجل ترامب القوي» لا يرتبط فقط بصلته الشخصية بالرئيس، بل أيضاً بقدرته على تمثيل مقاربة جديدة تقوم على إعادة ترتيب الأولويات، لا الاكتفاء بإدارة الأزمات كما جرت العادة في العقود الماضية.
في هذا السياق، يمكن فهم صعود براك بوصفه بديلاً مختلفاً، لا مجرد بديل وظيفي، عن شخصيات أمريكية مخضرمة مثل بريت ماكغورك، الذي خدم طويلاً في إدارات جمهورية وديمقراطية متعاقبة، وتحوّل إلى أحد أبرز العارفين بتفاصيل الشرق الأوسط وتعقيداته. غير أن الفارق الجوهري بين الرجلين يكمن في نوع المقاربة. فماكغورك مثّل، إلى حد بعيد، المدرسة الأمريكية التقليدية التي تُجيد إدارة التوازنات الدقيقة، وتُفضّل تدوير الزوايا، والمحافظة على شبكة العلاقات حتى في ذروة التناقضات. أما براك، فيمثل دبلوماسية مختلفة، أكثر تحرراً من القوالب المؤسسية الجامدة، وأكثر ميلاً إلى مقاربة سياسية تعتبر أن الاستقرار لا يُصنع عبر المواربة، بل عبر وضوح المصالح، وصراحة الأهداف، والاعتراف بأن خرائط النفوذ القديمة لم تعد قابلة للاستدامة.
من هنا تكتسب تصريحات براك أهميتها الخاصة. فهو لم يتردد في الإشارة إلى أن مصالح الولايات المتحدة لا تتطابق دائماً مع مصالح بعض حلفائها في الشرق الأوسط، وهي عبارة تبدو مألوفة في التحليل السياسي، لكنها استثنائية حين تصدر بهذه الصراحة عن سفير أمريكي مفوض فوق العادة. فهذا النوع من الخطاب لا يكشف فقط عن شخصية دبلوماسية غير تقليدية، بل يعكس أيضاً تحوّلاً في الأسلوب الأمريكي نفسه، أي الانتقال من الإيحاء إلى الإفصاح، ومن مجاملات «التحالفات» إلى إعادة تعريفها وفق ميزان المصالح المباشرة، وتلك لغة تتوافق والقاموس السياسي للرئيس ترامب.
غير أن الأهمية الحقيقية لدور براك لا تتوقف عند اللغة، بل تمتد إلى الجغرافيا السياسية التي يتحرك فيها. فإبعاده المؤقت عن ملفي سوريا ولبنان، قبل أن يُعاد إلى موقعه مع توسيع مهمته لتشمل العراق، لا يمكن قراءته بوصفه مجرد تعديل إداري بل رسالة إقليمية. بل إن هذه العودة «الموسعة» توحي بأن واشنطن باتت تنظر إلى سوريا ولبنان والعراق بوصفها مسرحاً استراتيجياً مترابطاً، لا ملفات منفصلة. وهذه نقطة مفصلية في فهم المرحلة، فإدارة الرئيس ترامب لا تريد فقط احتواء الأزمات، بل تريد اختبار إمكانية بناء توازن إقليمي جديد ينطلق من الساحات العربية الأكثر التصاقاً بالنفوذ الإيراني، ويتوافق ذلك والرؤية الإقليمية.
وفي هذا الإطار، تبدو سوريا النموذج الأوضح لنجاح المقاربة الأمريكية الإقليمية. فواشنطن، على امتداد السنوات الماضية، اختبرت في سوريا حدود التدخل العسكري، وحدود الرهان على القوى المحلية، وحدود التسويات الدولية والإقليمية. ومع الوقت، بدا واضحاً أن المقاربة الأمريكية الأكثر فاعلية لم تكن تلك التي تسعى إلى الحسم الكامل، بل تلك التي تعمل على تقليص نفوذ الخصوم، ومنعهم من تحويل الساحة السورية إلى نقطة ارتكاز استراتيجية دائمة. بهذا المعنى، فإن ما تحقق في سوريا، سواء من حيث تقليص المجال الحيوي لإيران، أو من حيث إعادة ضبط شبكة النفوذ على الأرض، شكّل نموذجاً قابلاً للمقارنة والتكرار في ساحات أخرى، وعلى رأسها العراق.
لقد أثبتت التجربة السورية، من وجهة النظر الأمريكية، أن النجاح لا يُقاس دائماً بإعادة بناء الدول وفق التصورات المثالية، بل بمدى القدرة على منع الخصم من امتلاك المجال، وحرمانه من تحويل نفوذه العسكري والسياسي إلى معادلة مستقرة. وهذا هو جوهر المقاربة الإقليمية التي تبدو واشنطن اليوم أكثر ميلاً إلى تعميمها، فإذا كان تحجيم إيران في سوريا قد أصبح ممكناً بفعل إعادة صياغة التوازنات ميدانياً، فإن نقل هذا المنطق إلى فضاءات غير مستقرة هو الخيار الأنجع بفضل تلك المقاربة الإقليمية الأمريكية الجديدة.
صحيح أن الحرب الأخيرة لم تغيّر إيران سياسياً على نحو جذري، ولم تُحدث تحولاً حاسماً في بنية النظام أو توجهاته، إلا أن النصر الاستراتيجي الحقيقي لا يكمن بالضرورة في تغيير النظام، بل في تقليص قدرته على الإمساك بما تدعيه «عمقه الاستراتيجي» في محيطها المباشر. وبعد التراجع النسبي في الساحة السورية، يصبح العراق الحلقة الأهم في هذا المسار، لأنه يمثل جوهرة التاج الأكثر وزناً في معادلة النفوذ الاستراتيجي إقليمياً.
هنا يتقدم توم براك إلى الواجهة بوصفه رجل المهمة الصعبة. فهو لا يتحرك كسفير تقليدي يكتفي بإدارة العلاقات، بل كأداة سياسية في مشروع أمريكي إقليمي أوسع يهدف لإعادة ترتيب خرائط النفوذ في الإقليم بعد 2003. وإذا كانت المقاربة الجديدة قد نجحت في سوريا وتكريس نموذج يقوم على التحجيم المنهجي للنفوذ الإيراني، فإن الرهان اليوم هو على تكرار النجاح ذاته في العراق، ولكن بأدوات أكثر تعقيداً وحساسية. وإذا تحقق ذلك، فإن براك لن يكون مجرد دبلوماسي بارز في إدارة ترمب، بل سيكون فعلاً الرجل الذي حمل المقاربة الأمريكية الإقليمية من سوريا إلى العراق، وتحويلها إلى ذلك النصر الاستراتيجي الذي ينشده الرئيس ترامب.