مازلتُ أتذكر إحدى الصور القديمة لوالدي، رحمه الله، في القاهرة، وهو يبتسم وسط عدد من أصدقائه المصريين، حيث كان يقول لي دائماً «في مصر، لا أحد يشعر أنه غريب». في الواقع لم أفهم تلك العبارة جيداً حينها، لكنني أدركت معناها لاحقاً، في كل مشهد من مشاهد تطور العلاقة البحرينية المصرية، وفي كل موقف مصري في لحظة عربية حرجة.
هذه العلاقة لم تكن وليدة بروتوكولات دبلوماسية ولا بيانات رسمية، بل هي أقرب إلى مسيرة ممتدة عبر التاريخ، تقوم على محبة وتقدير متبادل بين الشعبين. ومن هنا، يمكن فهم الزيارة التي قام بها الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إلى البحرين، ولقائه حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، مؤخراً، كرسالة عميقة تتجاوز حدود الزيارة نفسها.
وبالتأكيد، فإن ما عبّر عنه جلالة الملك المعظم في اللقاء يمثّل قراءة واضحة لمعادلة الأمن في المنطقة، حين شدّد جلالته أن مصر تمثل سنداً أساسياً في دعم الاستقرار، انطلاقاً من واقع تجربة طويلة أثبتت أن القاهرة كانت دائماً حاضرة في اللحظات التي تتطلب توازناً وحكمة، فمصر، بحجمها وتاريخها وثقلها، ليست دولة عادية بل أحد أعمدة الإقليم، وأي اهتزاز في هذا العمود ينعكس على كامل البناء العربي.
الرسالة الأهم في هذه الزيارة تؤكد أن أمن الخليج العربي ليس شأناً خليجياً فقط، بل هو جزء أصيل من الأمن القومي العربي، ومصر تنظر إليه بهذه العين وهذا الفهم، لكنه في ظل هذه التوترات المتصاعدة ومحاولات العبث باستقرار المنطقة يحمل وزناً أكبر؛ أن تقول القاهرة إنها هنا، فهذا بحد ذاته طمأنة سياسية واستراتيجية.
اللافت أيضاً أن الخطاب البحريني كان صريحاً في تقديره للدور المصري، ليس فقط كدولة داعمة، بل كقوة تمتلك خبرة دبلوماسية عريقة، فالدبلوماسية المصرية تمثل مدرسة طويلة من إدارة الأزمات، واحتواء التوتر، وبناء التوازنات، عبر عقود. نجحت القاهرة في أن تكون صوتاً للعقل وجسراً للحوار بين الجميع.
ودون شك؛ فإن لقاء جلالة الملك المعظم بأخيه الرئيس المصري يعكس حجم التنسيق المشترك، والقراءة المشتركة للمشهد، والإدراك العميق بأن المرحلة الحالية لا تحتمل التباعد. فحين تتقاطع رؤية المنامة والقاهرة، فهذا يعني أن هناك فهماً موحداً لطبيعة التحديات، وكيفية التعامل معها دون الانجرار إلى الفوضى.
وبالتأكيد، فإن زيارة الرئيس السيسي إلى المنامة لم تكن مجرد محطة في جولة خليجية، بل تأكيداً على أن العلاقات العربية الحقيقية تقاس بقدرتها على الصمود في الأوقات الصعبة. وما بين البحرين ومصر، هناك شيء يتجاوز السياسة، شيء يشبه تلك الصورة القديمة التي كان يحتفظ بها والدي؛ ابتسامة صادقة، تقول ببساطة أننا، رغم المسافات الجغرافية، نبقى أشقاء والأقرب إلى بعضنا البعض.