ترامب أجّل الضربات ويقول إنه في مرحلة تفاوض مع إيران لإيجاد حلول جذرية لهذا الصراع.

ورغم نفي إيران وتصوير الأمر على أنّ توقّف ترامب هو لأنه (خاف)، إلا أننا تعودنا من إيران أن تُحوّل التصريحات لبروباغندا تخدم صورتها، وما يجري في الكواليس هو غير ما تُصرّح به.

بالنسبة لنا في دول الخليج، لا أحد يريد الحرب، تلك مسلّمة من المسلّمات، ولكننا أمام سيناريوهين كلاهما في صالحنا.

السيناريو الأول؛ الاكتفاء بما تم تدميره في إيران: إما وقفٌ لإطلاق النار سيُعلنه ترامب قريباً بعد فتح مضيق هرمز، وحينها سيُعلن ترامب أنه أكمل قائمة أهدافه وإيران لم تعد كما كانت عليه قبل 28 فبراير وتهديدها للمنطقة لم يعد موضع نقاش، ويُعلن وقف إطلاق النار من جهته، وسيتحدث عن انتصاراته والقوة العسكرية الأمريكية الخارقة التي أثبتت قدراتها.

حينها سيكون من الصعب أن تكمل إسرائيل حربها مع إيران دون غطاء أمريكي، وستضطر أن تُعلن أنها اكتفت بالدمار الذي ألحقته بإيران، وهو دمار شامل حقاً أعادها عشرات السنين إلى الوراء عسكرياً واقتصادياً وأمنياً، وستُعلن وقفها لإطلاق النار من جهتها أيضاً، وليس مهماً ما ستُعلنه إيران، فالتصريحات ستكون في وادٍ وصور الدمار في وادٍ آخر، كما نعرف وكما تعودنا، لكن من تبقّى من القيادة المركزية سيُوقف إطلاق النار من جهته ما لم يتصرّف أي فصيل من الحرس الثوري الإيراني بمعزل عمّن تبقى من القيادة المركزية، وهذا سيتم التعامل معه دولياً وإيرانياً للحفاظ على الاتفاق.

هذا السيناريو سيكون في صالحنا.. لماذا؟

لأنه، بالرغم من وجود بقايا للنظام الإيراني السابق على سدّة الحكم، إلا أنها بقايا منهكة مُدمَّرة داخلياً، ممّا سيتركها في مواجهة الشارع الإيراني بقبضة ضعفت نتيجة الضربات التي تلقّاها الباسيج في الأيام الأخيرة. وعموماً ما سيجري في إيران شأن داخلي.

أما عن مستوى تهديدات هذه البقية الإيرانية على دول الخليج، فسيكون مستوى ضعيفاً قد تراجع بشكل يحتاج فيه، على الأقل.. على الأقل، إلى عشر سنوات، إن لم يكن أكثر، لبناء ترسانة كالتي كان يملكها قبل 28 فبراير ويعود لتهديدنا من جديد، وحينها سيكون وضع الخليج مختلفاً تماماً.

فإن أُعلن عن وقف متبادل لإطلاق النار، فخلال ساعات ستركّز دول الخليج على عودة الأمور الحياتية لمواطنيها فوراً إلى ما قبل 28 فبراير، وذلك سيكون سريعاً بإذن الله.

السيناريو الثاني؛ القضاء التام على إيران: عدم الوصول إلى اتفاق وأن بقايا النظام الإيراني لن تملك أن تُعلن وقف إطلاق النار، وستظل فصائل الحرس الثوري تُطلق ما تبقّى لها من ذخيرة على دول الخليج وإسرائيل إلى أن ينفد ما لديها، وستُبقي على تهديدات غلق المضيق والتهديدات بضرب الطاقة بكل أشكالها في دول الخليج.

هنا تُعلن إيران الحرب على العالم بأسره، وستتلقّى نيراناً دولية لا قِبَل لها بها، تختلف عن الفترة السابقة، فهي تجرّ بغبائها وتعنّتها من امتنع من الدول -إلى الآن- عن الدخول في الحرب من جميع أنحاء العالم. وهذا سيناريو يتمنّاه نتنياهو بشكل كبير، حتى وإن استمرت الصواريخ الإيرانية بالسقوط على رؤوس الإسرائيليين، فَجَرُّ المزيد من الدول في قصف إيران يخدم نتنياهو بالتأكيد، لأنه يحاول إقناع أوروبا أنه يجب القضاء على هذا النظام الخَطِر على كل العالم لا على إسرائيل فحسب.

حينها ستطول مدة الحرب، وستظل إيران تُطلق -هي وأعوانها- المسيّرات والصواريخ علينا إلى آخر قطعة يمتلكونها، وهذا قد يستغرق لأسابيع أخرى، إنما المحصلة النهائية لهذا السيناريو القضاء تماماً على أي بقايا عسكرية للنظام، ودمار كامل يحرق إيران ويُعيدها إلى نقطة الصفر.

فالخاسر الأكبر في هذه الإطالة هي إيران؛ وتلك ليست تكهنات، بل هي أرقام وإحصائيات وشواهد على حجم الخسائر الإيرانية إلى اليوم، وهي في مواجهة إسرائيل وأمريكا فحسب، فما بالك إن استمر هذا القصف إلى أسابيع أخرى، وما بالك إذا دخلت دول أخرى اضطراراً، ودول أخرى ليس بالضرورة أن تكون دول الخليج. فاستدراج إيران لمواجهة العالم ليس صعباً في ظل العقلية الفارسية العنيدة!

في هذه الحالة وهذا السيناريو، ستظل دول الخليج على وضعها كما هي عليه الآن لأسابيع أخرى، قد تطول قليلاً، ولكنها ليست في حرب طويلة المدى، ولن يكون وضعها كوضع أوكرانيا مثلاً، إنما عليها أن تتحمّل حتى تنقشع الغيوم.

وحينها، لن يبقى في إيران ما يهدّد الدول الخليجية إلى عشرات السنين، مما سيغيّر من قواعد اللعبة تماماً، ويمنح دول الخليج الفرصة الكافية للعمل دون وجود التهديد الإيراني الذي ظل مستمراً لأكثر من خمسين عاماً.

هذا السيناريو في صالح دول الخليج، بالرغم من (خسائره) المادية، التي أياً كانت ضخامتها، إلا أنها لا تُقارن بتكلفة التعامل مع وجود مهدّد خَطِر على بعد كيلومترات منها ظل رابضاً على صدرها لخمسين عاماً، أثر فيها على اقتصادها، وعلى توجهاتها العسكرية والأمنية طوال تلك الفترة.

في السيناريو الثاني، ستبدأ دول الخليج اليوم التالي -على نظافة- دون ترسانة أسلحة كالتي كانت تملكها إيران قبل 28 فبراير، وسنعمل ونحن في مأمن من التهديدات.

وهذا في صالحنا أيضاً؛ أي أننا في كلتا الحالتين مستفيدون وبأقل الخسائر.

هناك من سيعدّد الخسائر المادية والاقتصادية على دول الخليج التي حدثت منذ 28 فبراير إلى الآن، إنما تلك خسائر جميعها أقل بكثير من التعايش مع تلك الترسانة الموجّهة لصدرونا منذ خمسين عاماً.

خسائر مادية ممكن تجاوزها والعودة لنقطة التوازن، ومن ثَمَّ للنمو الاقتصادي والانطلاق من جديد، فالمقومات والمحفّزات في دولنا الخليجية مازالت كلها موجودة، ولله الحمد، في دولنا الست.