كالعادة، مشهد يفيض إنسانيةً ويختصر معاني القيادة الحقيقية، وأعني، حينما يترجل القائد ليكون بين أبنائه، لا بصفته مسؤولاً فحسب، بل أباً حاضراً، وقلباً نابضاً يشعر بآلامهم ويشاركهم لحظاتهم.
هكذا كان حضور حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملكنا المعظم حفظه الله ورعاه، القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهو يزور أبناءه وجنوده المصابين، الذين قدموا أرواحهم وأجسادهم دفاعاً عن البحرين وأهلها في وجه العدوان الإيراني الآثم.
هذه علاقة القائد «الحقيقي» وجنوده، وضعوا مليون خط أحمر تحت كلمة «قائد حقيقي».
جلس جلالته بينهم، تبادل معهم الحديث، استمع إليهم، وطمأنهم، يقول لكل واحد منهم «أنتم لستم وحدكم، أنا معكم».
في تلك اللحظات، لم يكن ملكنا قائداً أعلى فحسب، بل كان الأب الحاني الذي يحتضن أبناءه، ويُشعرهم أن تضحياتهم محفوظة في قلب الوطن قبل سجلاته.
كانت كلمات امتنان صادقة، خرجت من قائد يدرك قيمة الرجال الذين يقفون في الصفوف الأولى. أكد لهم أن ما قدموه من تضحيات لن يُنسى، وأنهم قدوة لأبنائهم ولأجيال البحرين القادمة.
تلك الكلمات، في بساطتها، كانت تحمل أعظم معاني التقدير، لأنها جاءت من القائد الذي يعرف معنى الواجب، ويقدّر من يؤديه بإخلاص.
أما مشاعر الجنود، فكانت أبلغ من أن توصف. فرحة صادقة ارتسمت على وجوههم، وهم يرون قائدهم بينهم، يطمئن عليهم بنفسه، ويتأكد من سلامتهم. تلك اللحظة التي تمنحهم طاقةً جديدة، وعزيمةً مضاعفة، وشعوراً عميقاً بأن ما قدّموه محل تقدير واعتزاز من أعلى هرم القيادة، ومن شعبٍ يعرف قيمة أبنائه الأوفياء.
من هذا المشهد الإنساني، يبرز درس إداري عميق يقدّمه جلالة الملك كما عهدناه دائماً. قيادة لا تُدار من خلف المكاتب، بل تُصنع في الميدان، وبين الناس، وبالقرب منهم. قيادة تمتزج فيها الصلابة والقوة بالرحمة، والقرار بالحكمة، والسلطة بالتواضع.
هذا النموذج القيادي الذي يجسّده الملك حمد، يضع أمام الجميع مثالاً واضحاً، القائد الحقيقي هو من يكون حاضراً مع جنوده، يشعر بهم، ويمنحهم الثقة قبل الأوامر.
هذه الدروس لا تمر مرور الكرام على شعب البحرين، بل تلقى تفاعلاً جارفاً، حيث تتناقل الكلمات والمواقف، وتُحكى القصص التي تعكس أخلاق القائد وإنسانيته. فابتسامة جلالته الواثقة، وحضوره القريب من الناس، هي جزء من هوية قيادة راسخة، صنعت ثقة شعب، ورسخت الولاء في القلوب.
أذكر أنني قلت لجلالة الملك ذات مرة، إنني أضرب بك المثل دائماً في القيادة رفيعة المستوى، القيادة الإنسانية التي يجب أن يُحتذى بها.
وكنت ومازلت أؤمن أن هذه الرسالة يجب أن تصل إلى كل مسؤول، في كل موقع، أن ينظر إلى قائدنا ووالدنا، كيف يدير، وكيف يتعامل مع الناس، كيف يتواضع، وكيف يسمو بأخلاقه. القيادة ليست منصباً، بل سلوكٌ وقيم، وإنسانية.
أتمنى أن تصل الدروس القيادية الرفيعة التي نراها من ملكنا المعظم، أتمنى أن تصل هذه الدروس إلى بعض من غرتهم المناصب، فابتعدوا عن جوهر القيادة، وتعاملوا مع الناس كأدوات، لا كبشر يستحقون الاحترام والتقدير.
فالفارق بين قائدٍ حقيقي وآخر شكلي، هو في هذه التفاصيل الإنسانية التي لا تُصطنع، بل تُولد من معدنٍ أصيل.
ما رأيناه في هذه الزيارة، هو حمد بن عيسى كما عرفناه، القائد، والنموذج، والأب الحاني، والإنسان الراقي. رأينا القائد الأعلى وهو يزور أبناءه الأبطال، يقدّر تضحياتهم، ويمنحهم من حضوره ما يعجز عنه أي تكريم آخر.
حفظك الله يا ملكنا، ذا المعدن الذهبي الأصيل، وأبقاك ذخراً وسنداً لوطنك وشعبك.
فبحكمتك وفراستك تجاوزت البحرين كثيراً من المنعطفات، واليوم، ونحن نواجه التحديات، نستلهم من حضورك القوة، ومن كلماتك الثقة، ومن إنسانيتك الدافع لنبذل المزيد لأجل البحرين الغالية.