استقبال جلالة الملك حفظه الله للكاتب جعفر سلمان، ومن بعد ذلك الكلمة التي ألقاها وزير الداخلية أمس في استقباله عدداً من أعضاء مجلسي الشورى والنواب، حدثان يوصلان رسالة مهمّة للبحرينيين، وددتُ أن أقفَ عندها اليوم.
فحوى الرسالة أنه انتهت ولاية الفقيه في البحرين، وأنه آن أوان أن يتحدث أن ينطق أو يعبّر الشيعة بحرية دون قيود، ودون ترهيب، ودون خضوع (لوكلاء إيران) في البحرين، ودون اعتبار أو خوف من تابعي الحرس الثوري الذين كانوا يفرضون على الشيعة البحرينيين الولاء لفقيه إيراني دون غيره.
الرسالة تقول: آن أوان أن يعبّر الشيعة عن ولائهم للبحرين ولدولتهم التي يتمتعون بحمل جنسيتها ووثيقة الانتماء إليها، دون خوف ودون تهديد واتهامات بالخيانة، أو أن يضطروا أن يخرجوا من قريتهم كي يعيشوا بسلام بعيداً عن (الوكلاء) وحرّاسهم.
استقبل جلالة الملك حفظه الله الأستاذ جعفر سلمان لأنه كان من الشجعان الذين تحدّثوا يوم كانت الساحة يسودها أتباع الولي الفقيه، وواجه بسبب رأيه المخالف كل أنواع الإقصاء والعزل والتهديد والترهيب، لكنّه مَلَكَ من الشجاعة أن يحمل الأمانة وأدّاها على أكمل وجه، وكيلت له التُهَم وتمّت مضايقة أسرته، ومع ذلك صَمَدَ ولم يطلب الحماية، بل كان إنساناً بسيطاً لم يطلب حتى التشجيع من الناس أو التصفيق. قام بدوره الوطني وضميره حيّ وراضٍ عنه ومتصالح مع نفسه، لأنه مؤمن بأن كلمة الحق لها ثمنها، وكان مستعداً لدفع هذا الثمن.
لذلك كان استقبال جلالة الملك له بالأمس احتفاء بالموقف الوطني المطلوب، ورسالة جلالته في هذا الاحتفاء بهذا الرجل أن الدولة الوطنية تثمّن من دافع عنها، خاصة في وقت الشدة كما حدث في فترة الأربعين يوماً التي كانت فيها صواريخ إيران تتقاذف فوق سمائنا. وقف الأستاذ جعفر سلمان يصدّ عن البحرين وسمعتها، كما وقف رجال دفاعاتنا الجوية يصدّون عن سمائنا صواريخهم.
في هذا الوقت ظهر ثلاثة أنواع من المواقف: واحد احتفى بالصواريخ وفرح بها، وهذا البحرين تتعذره وجارٍ ترحيل القائمة. والثاني أصحاب المناطق الرمادية وماسكو العصا من النصف: ندين ولكن، نؤيد ولكن، وهذا النوع من المواقف الرمادية ممكن أن يقبله البحرينيون في وقت الرخاء، ولكن في وقت الحرب فإنه موقف مرفوض، بل إن المجتمع البحريني وضع أصحاب هذه المواقف إلى جانب أعدائنا وغضب عليهم قبل أن يغضب جلالة الملك حفظه الله من موقفهم الرخو. أما النوع الثالث فهو الذي صَمَتَ انتظاراً لوضوح الرؤية.
وجميع هذه الأنواع الثلاثة كانت معروفة بالاسم، والمجتمع البحريني ذكيّ، تداول أسماء المواقف الثلاثة، فقد كان يستعرض الأسماء ويسألُها عن موقفها حتى لا يُظنّ أن صمته غيّبه عن المشهد!!
جعفر السلمان كان وسط هذه الأجواء كالجوهرة النادرة، لا انتقاصاً من قِبل من ساهم في الدفاع عن وطنه، بل لأنه بدأ قبل الحرب، وكان هو في وجه المدفع، ثم واصل ولم ينتظر ليرى أين تميل الكفة، لذلك ثمّن المجتمع البحريني موقفه غالياً، وجاء تتويج الاحتفاء به من قِبل أبي سلمان حفظه الله.
الأستاذ جعفر مثَّلَ الخطاب الوطني الذي كنا نتمنّى أن نسمعه بهذه القوة من أكاديميين كثيرين صدّعوا رؤوسنا بدراستهم التي اقتصرت على الإرهاب السني.
وكنا ننتظر أن نسمع من أصحاب مناصب ورجال دين كانوا كلهم متّفقين مع جعفر سلمان، لكنهم لا يمتلكون شجاعته. كنا بانتظار صوت من داخل البيت الشيعي عايش المنعطفات السياسية حتى استقرّت قناعته، ثم امتلك الشجاعة للإعلان عمّا يقوله في الغرف والبيوت والمجالس، ويتحدّث به علناً وهو مستعد للمواجهة.
استقبال جلالة الملك له هو تحفيز لتلك الأصوات أن نسمعها الآن على الأقل، ولقاء وزير الداخلية بالأمس هو تحفيز من الدولة بأنها إن قصّرت بالوقوف مع من يقف معها سابقاً، فإنها اليوم تُعلنُها بقوة أنّ البحرين قيادةً وشعباً مع كل صوت بحريني يساعد في نزع العباءة الإيرانية المُمثَّلة في أي ارتباط بالولي الفقيه.
ما يُقال في المجالس هو الذي يجب أن يُقال علناً الآن، وهو المعروف والمتعارف والموثّق، بأن التشيع في البحرين قبل الولي الفقيه، وأنه ومنذ مئات السنين البحرين هي بلد التسامح والتعايش الديني، وأنه كمواطن بحريني لا يحتاج إلى مرجعية إيرانية كي يكون شيعياً يمارس عقائده بحرية.
حقائق قبل أن نختم:
الأصوات الإيرانية الهوى التابعة للولي الفقيه، النشطة الآن على وسائل التواصل فقط، هي خارج البحرين، فلا تغرّك كثرتها ولا يغرّك علوّ صوتها.
تلك الأصوات تنطلق من خارج البحرين، فالدولة قامت بواجبها في التصدّي لها ومنع انطلاقها من الأرض البحرينية. الأصوات التي نسمعها لن تشاهدها إلا في التلفون وتتحدث من خارج البحرين، هذه الأصوات هي فقاعات هواء سهلة الفَقْء.
أنت الموجود هنا على هذه الأرض وأنت الباقي هنا، وهذا بلدك الذي تنتمي إليه وتحمل شرف الانتماء له. والدولة هي من تحمي وترعى مواطنيها من بعد الله، والبحرينيون كلهم معك. ولاية الفقيه انتهت في البحرين والشيعة باقون هنا.