تتجلى قيمة المواطنة الحقة في وعي أبناء الوطن بحجم المسؤولية التي تقع على عاتقهم تجاه الوطن، بوصفها التزاماً أخلاقياً وواجباً وطنياً ورابطاً قوياً وأمانةً عظيمة؛ وقد بيّن ديننا الحنيف عظم هذا الأمر، وشدد على قدسية صون الأمانة، قال تعالى: «إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا».
فما بال من تقع عليه مسؤولية حمل أمانةِ الوطن؟!
إن المواطنة الحقة هي موقفٌ صلب، وعهدٌ وثيقٌ وميثاقٌ غليظ، ودستورٌ أخلاقي وقيمةٌ عليا تتجاوز نطاق الشعارات؛ ومشاعرٌ لا تُستصنعُ، بل تولد مع الإنسان كفطرةٍ متجذرة، كعلاقة الروح بالجسد ومجرى الدم في العروق.
علاقةٌ تزدهر بالوفاء تترجمها الأفعال قبل الأقوال، وتقوى بالالتفاف حول القيادة باعتبارها عنوان الهوية، وعماد الجذور، ورمز التماسك والعزة؛ فمتى استطاع أحدٌ أن يهنأ بلا وطنٍ وسندٍ ودرعٍ منيع؟ وحتى إن طاف مناكب الأرض، سيظل هناك شوقٌ وحنينٌ لا يرتوي إلا باحتضان ترابه.
وقد أكد التاريخ عبر شواهده الجلية أنَّ قوة الشعوب وثباتها تكمنُ في مدى الإخلاص الصادق واللحمة الوطنية مع القيادة؛ وهنا تتجسد المقولة التاريخية العظيمة: «ليس في العالمِ مَقصدٌ أسمى من كنفِ وطنٍ يُجار فيه المرءُ بالأمان»؛ فهل يمكن أن يستقيم وطنٌ بلا شعبٍ مخلص؟ وهل يمكن أن ينهض شعبٌ بلا قيادةٍ واعية ترسم له معالم العزة؟
إن ما تتمتع به مملكتنا من استقرار يجسد بصدق مستوى الأمن والطمأنينة، وكل هذا لم يأتِ بمحض المصادفة، بل هو إرثٌ حضاري وتراكمٌ تاريخي لأصالة هذه الأرض الطيبة وحكمة قيادةٍ آمنت بشعبها وسعت لرفعته كغايةٍ ومنطلقٍ أصيل؛ وقد استشعر ملامح وواقع هذه الرؤية والمساعي المباركة كل من استظل بسماء هذه الأرض، وعاين واقعاً ملموساً من التسامح والتعايش.
وفي الجانب الآخر المشرق والمشرف الذي يعكس مدى الترابط الوثيق بين القيادة والشعب، فقد سطر أهل البحرين الأوفياء، كباراً وشباباً وأطفالاً وبكل فخر واعتزاز، أسمى معاني الولاء بتمسكهم باللحمة الوطنية في السراء والضراء، في عدة منعطفات تاريخية أكدت مدى ولائهم وانتمائهم عبر التفافهم حول القيادة الرشيدة والحكومة الموقرة؛ وبما يؤكد يقيناً أن الدولة لا تنهض دون شعبٍ وفيٍّ مخلص يعي مسؤولياته تجاه دوره الوطني السامي.
إنني في هذا الطرح لا أسطر كلمات عابرة في حب الوطن، ولا ألقي دروساً في المثالية، وعمق معاني قيم الانتماء والمواطنة، بل أقف وقفة شكرٍ صادقة أمام الله تعالى تجاه عظم هذه النعم التي أحاطنا الله بها، من عزةٍ وأمنٍ وأمان في مملكتنا الغالية؛ ولنستحضر في الوقت ذاته جميعاً قيمة أن تكون لنا قيادةٌ حكيمة تستحق أن نلتف حولها بكل إخلاص، وفاءً لما قدمته وتقدمه للوطن، التي هي صمام أماننا.
ختاماً، إن هذا الوطن يستحق منا أن نغرس فيه بذور الخير، وأن نقف خلف قيادتنا وقفةً شامخةً بقلبِ رجلٍ واحدٍ؛ لنتلاحم جميعاً في حماية المكتسبات وإعلاء راية الوطن، سواء بكلمةٍ صادقة أو فعلٍ مخلص؛ لتظل هذه المملكة عزيزةً بقيادتها، وحصينةً بوعي أبنائها، وعظيمةً بصدقِ ولائهم.
فلهذا خُلقنا؛ لنحمل أمانة وطنٍ ونصون أجيالاً، ليكتبنا التاريخ في سجلات الشرفاء المخلصين.