شهرٌ كاملٌ مرّ على الانتهاك الصارخ والعدوان الإيراني السافر على أرض الطيبة والكرم، ومازالوا ماضين في عدوانهم الآثم، الذي كشف سوء نواياهم، وحقدهم الدفين تجاه البحرين، التي كانت ومازالت أرضاً للسلام والوئام والمحبة والتعايش. وكعادة حروف كلماتي، تأبى أن تتحدث عن موضوعٍ آخر غير الوطن، الذي لم يتعوّد أن يجرح، أو أن يردّ الإساءة بمثلها، بل اعتاد أن يكون واحةً للأمن والسلام. مازالت مشاعرنا وأحاسيسنا مختلطة، وعنوانها: اللهم احفظ ديرتنا الغالية، وخطّاج الشر يا البحرين. وإن مضت مسيرة أيامنا على النحو الذي نأمله، بأن نتكيّف مع الأحداث الجارية، فإننا في الوقت ذاته مازلنا نتوق إلى الأمان المنشود، وإلى تلك الوجوه المستبشرة التي تتقدّم ركب أيادي الخير.
- إن زيارة حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم القائد الأعلى للقوات المسلحة، حفظه الله ورعاه، بحضور صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، إلى أفراد قوة دفاع البحرين من المصابين جرّاء الاعتداءات الإيرانية الغاشمة على بلادنا الحبيبة، للاطمئنان على صحتهم والسؤال عنهم، لهي زيارة تحمل في طياتها العديد من المعاني، وتُجسّد وقفة القائد مع شعبه، وقربه من أولئك المرابطين على الثغور، الذين يدافعون عن الوطن وأمنه واستقراره وشعبه، وجميع المقيمين على أرضه.
إنها زيارة تعبّر عن عمق المحبة والتلاحم والتكافل الذي عُرفت به مملكة البحرين قيادةً وشعباً. فجزى الله جلالة الملك المعظم وولي عهده خير الجزاء، وأعانهما على حمل الأمانة، وبارك في مساعيهما الخيّرة في خدمة الوطن، وفي إدارة بلادنا العزيزة خلال هذه الأزمة.
- وقد أعجبتني مجموعة من العبارات التي خاطب بها سمو الشيخ ناصر بن حمد آل خليفة، ممثل جلالة الملك للأعمال الإنسانية وشؤون الشباب، خلال لقائه بأكثر من 400 شاب وشابة بمناسبة يوم الشباب البحريني، إذ قال: «هذه المحن التي نمر بها هي اختبار لمعدننا، وتذكروا أن معدن البحريني الأصيل من ذهب، لا يُستبدل، وأصيل لا يهتز. البحرين لا تُقاس بحجمها، وقد علّمت العالم درساً لا يُنسى: إن القوّة ليست بالمساحة بل بالثبات، ولا بالعدد بل بالوحدة، ولا بالصوت بل بالموقف. الوطن لا يحتاجك عندما تكون الأمور سهلة، بل يحتاجك عندما تصعب. كونوا ممن إذا ضاقت الأيام زادت عزيمتهم، وإذا اشتد الخطر عليهم زاد ثباتهم، وإذا ظهر الخوف على الآخرين زادت ابتسامتهم».
أسأل الله تعالى أن يوفق سموه إلى كل خير، وأن يُبارك في مساعيه الخيّرة في خدمة الوطن العزيز.- عند الشدائد تُختبر النفوس في إيمانها، وتُمحّص عزيمتها وإصرارها وصمودها أمام الابتلاءات؛ ففي كل شدةٍ درس، وفي كل ابتلاءٍ منحة، يتعلم منها المؤمن ما يثبّت إيمانه ويعزّز تمسكه بدينه وبمبادئه. وما الأحداث الجارية التي نمر بها إلا ابتلاءٌ مُبطنٌ برحمة، يدعونا إلى العودة الصادقة إلى الله تعالى، ومراجعة حساباتنا الإيمانية، وتعميق صلتنا به عز وجل. ومن أجل أن نكون أقوى من أي وقت مضى، نشدّ الرحال إلى الله وحده، ونطمئن قلوبنا بقوة إيماننا، ويقيننا بحفظه ورعايته، وأنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا. إننا بحاجة إلى طمأنينة القلوب والنفوس في مثل هذه الأوقات، وهي عطية ربانية يُودعها الله تعالى في قلوب عباده، وتتحقق بالدعاء والذكر والقرب منه، وحسن التوكل عليه.
وحينها، وبلا ريب، يتحقق للمرء مراده، وتشتد قوته وصبره، ويقوى إيمانه بما يصيبه، فيكون ذلك تكفيراً لسيئاته، ورفعةً له في الدرجات. فإنما الابتلاءات فرصٌ قويمة نسير بها على طريق الاستقامة، ونثبت عليها ابتغاء مرضاة المولى الكريم.
- مازلنا نشتاق إلى تلك النفوس الطيبة المثمرة، التي تدلّنا على مقامات الخير، وتهدّئ من روع قلوبنا، وتقودنا إلى سلوك الطريق القويم. نشتاق إلى نفوسٍ لا تزعزع قوة إيماننا بالملك الديّان، ولا تُخيفنا من الأقدار، فالأقدار رسائل مكتوبة من الله سبحانه وتعالى. نشتاق لأن نكون قريبين من أولئك الرحماء، الذين اعتدنا أن يحتضنوا محبتنا، ويسألوا عنا دائماً، ويحرصوا على أن نكون في أحسن حال. هم القلوب الودودة اللطيفة، التي تحب بصدق، ولا ترضى لك البعد.
إنهم الذين تشتاق إليهم في أيامك، وبخاصة في أوقات الشدائد، حيث لا تجد إلا «الرحماء» من محبيك وأهلك وأقاربك؛ فهم من يتواصلون معك، ويسألون عنك، ويتمنون لقاءك، إدراكاً منهم أن الحياة محطة عابرة، وأن السؤال أو اللقاء إن تأخر، ربما أورث ندماً بعد فوات الأوان.
نعم، إن الظروف العصيبة ليست إلا من سنن الدنيا، لكن الأهم أن نعتني بعلامات الخير للآخرة الباقية، ومن ذلك وصال الأحباب ولقياهم في كل حين. فلعمري، إنها الصورة المطمئنة للنفس، في زمنٍ متسارع، وحياةٍ لا تمهل، وأحداثٍ تتلاحق. حفظ الله تعالى قلوباً أحببناها، ودام ودّها ووصالها، وجعلها لنا ذخرًا وسنداً وعوناً في هذه الحياة الفانية، وترك لنا من أثرها دعواتٍ خالدة نأنس بها ما حيينا، ويبقى صداها بعد الرحيل. اللهم أدمها من نعمة.
ومضة أملاللهم برحمتك الواسعة ارفع عنا هذه الغمة، واجعلنا في أمن وعافية، وأدم على وطننا العزيز نعمة الأمن والإيمان والاستقرار، وأعنّا على ما ينفع ديننا ودنيانا، وثبّتنا على طريق الخير حتى نلقاك، ووفّق ولي أمرنا حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم، وصاحب السمو الملكي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء إلى ما تحب وترضى.