مؤخراً يلجأ النظام الإيراني إلى استحضار التاريخ الفارسي، ويتحدث عن حضارة عمرها آلاف السنين، وعن القدرة على الصمود أمام “الغزاة” عبر العصور، والهدف كما هو واضح وهو شحذ المعنويات.
حتى الغزوات التي نجحت في السيطرة على أرض فارس، مثل اجتياح المغول في القرن الثالث عشر، يقدمها النظام الإيراني اليوم للمتلقي برواية تحول الهزيمة إلى نصر؛ إذ يكرر الإيرانيون أن المغول اندمجوا في الثقافة الفارسية، وأصبحوا جزءاً منها، وكأن النهاية كانت انتصاراً حضارياً لا هزيمة عسكرية.
لكن المفارقة اللافتة، أن هذا النظام نفسه، في بداياته، لم يكن يحتفي بهذا التاريخ الفارسي، بل حاول الابتعاد عنه، وركز بدلاً من ذلك على الخطاب الديني المرتبط بالثورة، وعلى مفاهيم مثل مواجهة الضعيف للقوي، المستمدة من أحداث معركة كربلاء.
اليوم، ومع كثافة الضربات، نراه يعود إلى هذا الإرث الفارسي البعيد عن الإسلام ، ويستحضره كجزء من خطابه السياسي على الرغم من محاولاته الابتعاد عنه في البدايات.
في الأسابيع الماضية، قال الرئيس مسعود بزشكيان إن إيران وريثة حضارة عمرها لا يقل عن ستة آلاف عام، مؤكداً صمودها أمام كل الغزاة.
كما أشار وزير الخارجية عباس عراقجي إلى أن إيران تمتلك ثقافة غنية تمتد لسبعة آلاف سنة.
هذا التحول ليس معزولاً، بل يأتي ضمن سلسلة من التناقضات التي تطبع سلوك النظام الإيراني.
فهو من جهة يصف الولايات المتحدة بالشيطان الأكبر، ومن جهة أخرى تعاون معها في مراحل مختلفة، خاصة خلال وبعد غزو العراق عام 2003.
كما يؤكد حرصه على عدم استهداف الدول الخليجية، بينما نشهد في الواقع سقوط صواريخ ومسيّرات انطلقت من أراضيه على منشآت مدنية واقتصادية في الخليج خلال الأزمة الأخيرة.
و على الصعيد المحلي، جاء النظام في ١٩٧٩ لتخليص الإيرانيين من بطش الشاه ورعونة قواته السرية ليسارع ويقتبس نفس القدر من البطش ويؤسس قوات (الباسيج) التي جعلها تعتدي على الأبرياء وتقضي عليهم.
هذه التناقضات تجعل مؤشر المصداقية لدى النظام الإيراني صفراً.
وشتان بين ما يعلنه النظام وما يقوم به فعلاً على أرض الواقع. ويبدو أن مواقفه تتغير وفق المعطيات، أكثر مما تستند إلى مبادئ ثابتة أو رؤية سياسية سليمة.