كان هناك مثل يتردد، مفاده «عندما تعطس أمريكا يصاب العالم بنزلة برد» ولهذا المثل تاريخ مختلف فقد تم استنساخه من مقولة لدبلوماسي نمساوي في القرن التاسع عشر ولكنه كان يتحدث وقتها عن فرنسا وأوروبا، لكني أرى وجوب تغيير بلد المنشأ لتصبح منطقة الخليج العربي هي صاحبة المثل اليوم.

ها نحن نرى العالم كله يرتجف من فكرة إغلاق مضيق هرمز وتأثيره على الاقتصاد العالمي، فبناءً على آخر التقارير الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة ووكالات الطاقة الدولية، يشكل إغلاق مضيق هرمز صدمة متعددة المستويات للاقتصاد العالمي، تؤثر على الطاقة والغذاء والتجارة الدولية، حيث تشير البيانات إلى أن حركة الناقلات عبر المضيق انخفضت بأكثر من 90% خلال أيام قليلة.

ولأن المضيق يعتبر أهم ممر للطاقة في العالم، حيث يمر عبره 35% من تجارة النفط و 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية، كما ترجع أهميته على النظم الغذائية العالمية، فهو يعتبر شريان 30% من تجارة الأسمدة الدولية، وحوالي 50% من تجارة الكبريت البحرية العالمية، وهو مكون رئيسي لإنتاج حمض الكبريتيك المستخدم في معالجة صخور الفوسفات، ويمكن أن نفهم ما أكده كبير الاقتصاديين في منظمة الفاو، ماكسيمو توريرو، بأن ما يحدث ليس مجرد صدمة طاقة، بل صدمة منهجية تؤثر على النظم الغذائية العالمية.

وبالفعل فقد ارتفعت أسعار اليوريا بمنطقة الشرق الأوسط بنسبة 19% في الأسبوع الأول من مارس، وتتوقع الفاو أن ترتفع أسعار الأسمدة العالمية بنسبة 15-20% إذا استمرت الأزمة، كما حذر معهد كيل للاقتصاد العالمي من أن الإغلاق الكامل قد يؤدي إلى زيادة أسعار القمح العالمية بنسبة 4.2% وأسعار الفواكه والخضروات بنسبة 5.2%.

وإلى جانب النفط والغاز، فإن المضيق يمر من خلاله ثلث شحنات الهيليوم العالمية، وهي تستخدم في صناعة رقائق أشباه الموصلات، وتعد دول مجلس التعاون الخليجي مسؤولة عن 6% من الإنتاج العالمي لمواد تدخل في صناعة الأدوية واللقاحات والمعادن والبطاريات، وسيؤدي ارتفاع تكاليف التأمين والشحن بسبب الحرب لرفع كل أسعار السلع والمواد في العالم.

ونحن نتحدث عن إغلاق مضيق هرمز، وبروز حلول لوجستية «خليجية» للمشكلة، يجب أن نرى أمراً آخر، وهو أن منطقة الخليج العربي يبلغ إجمالي التدفق اليومي للنفط منها حوالي 16 مليون برميل تذهب لدول كثيرة من أبرزها الصين والهند وكوريا الجنوبية واليابان وأوروبا والولايات المتحدة، وتبلغ نسبة واردات آسيا فقط 89.2% من إجمالي النفط المار عبر المضيق.

وبينما العالم جميعه منشغل بالمضيق وإغلاقه وعدد السفن التي تعبره، أرى من منظور آخر أن دول الخليج العربي باتت اليوم صاحبة هذا المثل بامتياز، وهو ما أثبتته التجربة التي نمر بها ولو أنها عصيبة علينا، إلا أن لها ما بعدها.