قبل سنوات ليست بالبعيدة، كانت التركات لها وزنها، فهي ما بين عقارات، ومجوهرات، وربما ساعة الجد، بل وحتى الديون الثقيلة، لكن يبدو أن هذا الأمر تغير اليوم، أو على أقل تقدير أضيف له نوع آخر، نوع «محرج» إلى حد ما، فكل واحد منا لديه مجموعة من البيانات الرقمية التي لا يريد لأحد الاطلاع عليها، فهي ما بين مئات الصور لأكواب القهوة الصباحية، ومجموعة لا بأس بها من التغريدات الغاضبة، بل وتاريخ بحث في جوجل مثبت وموثق، إنها مقابرنا الرقمية، حيث لا يرقد الموتى فيها بسلام، بل يبدون حاضرين في «ذكريات فيسبوك» بهيئة قديمة تجسدها قصة شعر، أو قميص غريب الشكل.
حساباتنا على إنستغرام ستتحول إلى متاحف فنية، تظهر فيها وجباتنا الغذائية الباردة، في حين سيكون بريدنا الإلكتروني أرشيف للفواتير المنسية ورسائل «أنا أرملة وتركتي محتجزة بسبب 500 دولار». كل ذلك سيبقى كشبح إلكتروني، يطارد أحبابنا، وهنا تبدأ مأساة، فقد نكتب وصية، لكننا لن نضمنها، من سيرث المستوى الذي وصلنا له في لعبة كاندي كراش، وحتى لو تذكرنا أن نحددها في الوصية، فشركات التكنولوجيا لا تعترف بوصيتنا، لأنه من وجهة نظرهم، حساباتنا ليست «ملكية» بل هي «خدمة» تنتهي بانتهاء صلاحيتنا، سيكتشف ورثتنا أنهم في وضعوا في معركة عبثية بين شهادة وفاتنا الرسمية، وبين روبوت خدمة عملاء يطلب منهم «إثبات أنك أنت.. لكنك ميت»، أما اجتماعيا، فالوضع أصعب، فلا شيء يضاهي الألم الذي سيشعر به أحبابنا عندما يقترح عليهم فيسبوك أن يتمنوا لنا «عيد ميلاد سعيد»، ونحن نرى ذلك الآن، فقد تحولت حسابات الراحلين إلى أضرحة تفاعلية، حيث يكتب الأصدقاء «اشتقنا لك»، بينما تقترح الخوارزميات الباردة أن «تضيفه إلى مجموعة عمل جديدة».
ماذا نفعل حيال هذا الوضع المستقبلي؟ أولا، علينا أن نعين وصياً رقمياً، وهنا لا بد أن يكون شخص عزيز علينا، صبور في الوقت نفسه، مهمته الأولى حذف تاريخ بحثنا على جوجل، فهو الحارس على سمعتنا بعد الوفاة، وثانياً، علينا ترك وصية رقمية، ليست معقدة إنما هي ورقة بسيطة مكتوب فيها: «كلمة سر هاتفي هي 1234، احذفوا كل شيء، فوراً».، وأخيراً علينا اتخاذ قرار مصيري فهل نريد أن نخلد رقمياً أم نختفي بهدوء، لذا يجب أن نترك تعليمات واضحة بهذا الشأن، ختاماً، رصيدنا الرقمي الحالي هو إرثنا الرقمي، وعلى أقل تقدير مطلوب منا أن نجعله منظماً.