منذ عام 1979، أي منذ مجيء الخميني بثورته بعد نهاية حكم شاه إيران، تحولت منطقة الشرق الأوسط إلى مسرح لمشروع أيديولوجي عابر للدول، اتخذ من شعار «تصدير الثورة» غطاءً لتحركاته، فيما كان جوهره الحقيقي يتمثل في إعادة تشكيل موازين القوى داخل الإقليم، وعلى حساب الهوية العربية تحديداً.
من خلال قراءة متأنية لمسار الأحداث منذ الثمانينيات وحتى عام 2026، تتكشف صورة مغايرة لما يُروَّج فالصراع الحقيقي لم يكن مع قوى بعيدة، بل مع المحيط العربي، وبالأخص دول مجلس التعاون الخليجي.
لم يقتصر هذا العداء على الخطب السياسية أو الشعارات الإعلامية، بل تجسد في وقائع دامية استهدفت رموز السيادة الخليجية ومسؤولين رفيعي المستوى بشكل مباشر.
فمن محاولة اغتيال أمير الكويت الراحل الشيخ جابر الأحمد الصباح عام 1985، إلى مخطط اغتيال عادل الجبير في واشنطن عام 2011، وصولاً إلى سلسلة الاغتيالات التي طالت شخصيات سياسية وإعلامية في عدد من الدول العربية. طبعاً الاستهداف الإيراني كان ومايزال موجهاً لكل من يمثل القرار العربي المستقل أو يدافع عن هويته.
نهج استهداف الأفراد توسع ليشمل بنية الأمن القومي العربي بأكملها. فعلى امتداد العقود الماضية، كانت دول الخليج العربي هي الأهداف الفعلية. من تفجيرات مكة المكرمة في الثمانينيات، إلى تفجير أبراج الخبر في التسعينيات، مروراً بكشف خلايا إرهابية وشحنات متفجرات في البحرين والكويت والسعودية، وصولاً إلى شبكات إرهابية مثل «سرايا الأشتر» و«خلية العبدلي» وغيرهما، جميعها تشكل حلقات في سلسلة واحدة هدفها زعزعة الاستقرار من الداخل.
ما يحصل اليوم امتداد لهذا النهج بكل تأكيد، بل واقع يتم بوجه مكشوف بدلاً عن حروب الوكالة. الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ التي طالت منشآت مدنية واقتصادية في بلدنا البحرين وأشقائنا الخليجيين أجمع، تكشف عن تصعيد مختلف هذه المرة، تصعيد يضع «الاستقرار الخليجي» كهدف، إذ التنمية والنهضة في بلادنا -بحسب ما يتصرف النظام الإيراني- لابد وأن تقوض مظاهرها ولابد أن تدمر، وذلك حتى لا تستمر كنموذج يحتذى به، أو يتغنى به العالم الغربي.
عند تحليل هذا سلوك «النظام الإيراني»، تتضح مجموعة من الحقائق التي يصعب تجاهلها. أولها الجغرافيا إذ معظم العمليات التي تُنسب إلى أذرع هذا المشروع تقع في عواصم عربية، وضحاياها في الغالب مواطنون عرب.
ثانيها الاقتصاد، وهنا الاستهداف المتكرر لمنشآت الطاقة والممرات التجارية، مثل الهجوم على مصافي النفط ومحطات الكهرباء وتحلية المياه والمطارات وغيرها، يكشف عن محاولة ممنهجة لضرب ركائز التنمية الاقتصادية في المنطقة.
أما ثالثها، فهو البعد الاجتماعي، حيث يتم الاستثمار في الانقسامات الطائفية عبر دعم ميليشيات في دول مثل العراق واليمن ولبنان، بهدف تفكيك الدولة الوطنية من الداخل وإضعاف تماسكها، دون نسيان تحريك العملاء والطوابير الخامسة في دول الخليج الآمنة المستقرة، لتؤلب الناس وتصنع شروخاً طائفية هدفها إضعاف الأمن وتفتيت اللحمة الوطنية.
بموازاة هذا كله، نجد أن الخطاب الرسمي يتجه لتقديم صراعٍ آخر، يركز على مواجهة قوى كبرى، وكأنها الخصم الرئيسي. إلا أن هذا الخطاب يتضح أنه «غطاء دعائي»، يُستخدم لتوجيه الأنظار بعيداً عن الساحة الحقيقية للصراع. فحين تُقاس الأفعال لا الأقوال، نجد أن البوصلة تتجه بشكل واضح نحو العواصم العربية، لا نحو القوى الدولية البعيدة، ولا القوة القريبة جداً والتي يتوعدها النظام الإيراني دوماً، وهنا نعني الجانب الإسرائيلي.
ما يجري اليوم هو امتداد لنمط مستمر يقوم على فكرة أساسية، مفادها بأن بقاء النظام الإيراني الحالي مرهون دائماً بإضعاف محيطه العربي. من هنا، يصبح استهداف الدول العربية، سياسياً وأمنياً واقتصادياً، جزءاً من استراتيجية طويلة الأمد، وليس أفعالاً ظرفية تحصل وتنتهي بحسب المعطيات الآنية.
إدراك هذه الحقيقة هي الخطوة الأولى نحو التعامل معها بواقعية. المسألة لم تعد تتعلق بتحليل النوايا، بل بقراءة الوقائع، والتي تثبت دائماً بأن العدو الأول للنظام الإيراني ليس «الشيطان الأكبر» الولايات المتحدة، ولا «الشيطان الأصغر» إسرائيل، مثلما وصفهما الخميني، بل العدو الأول هي الدول العربية والخليجية تحديداً، وما كمية الصواريخ والمسيرات التي استهدفت بها دولنا إلا دليل داحض على ذلك.