فيصل الشيخ

حين تتساقط الصواريخ، وتحلّق المسيرات المتفجرة في السماء، وتُستهدف السيادة الوطنية بشكل مباشر، ويتربص الخطر بالناس وأرواحهم، هنا فقط، وأكررها «مليون مرة»، هنا فقط تُفرز المواقف، وتنكشف الحقائق، وتسقط أقنعة، ويُعرف من ينتمي، ومن يدّعي.

كلمة «الرجل القوي» معالي الفريق أول الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة وزير الداخلية بالأمس، لا وصف لها سوى أنها «خطاب دولة»، و«صوت وطن» يتحدث بثقة وثبات. كلمة وضعت تعريفاً واضحاً ثابتاً: «الوطنية ليست كلمة تُقرأ، ولا شعاراً يُرفع، بل موقف ثابت يُترجم إلى ولاء حقيقي، والتفاف صادق حول ثوابت الوطن».

عاشت بلادنا الغالية واقعاً ومشهداً صعباً غير مسبوق لأكثر من شهر ومازالت، اعتداءات إيرانية عدوانية بالصواريخ والمسيرات. وفي قلب هذا المشهد، برز دور وزارة الداخلية، بقيادة رجل الدولة الصلب، الذي قاد منظومة أمنية متماسكة، تعمل بلا توقف، وتتحرك بثقة، وتُحكم التعامل على المشهد بكل احتراف.

أتحدث هنا عن إدارة شاملة لمعركة وعي، ومعركة ثبات، ومعركة حماية داخلية، تتعاضد في أهميتها مع الأهمية القصوى للمواجهات العسكرية لأبطالنا على الثغور. لم يكن المطلوب فقط صد التهديد، بل حماية المجتمع من التفكك، ومن مخططات التشكيك، ومن حملات التضليل المقصودة التي ترافق مثل هذه الظروف، وهدفها إضعاف المخلصين.

من هنا، جاءت الرسالة الحاسمة، على لسان رجل تشهد له البحرين، قالها: «من يختار أن يتخلى عن انتمائه، أو يجاهر بولاءات تتجاوز وطنه، وتتناقض مع مصالحه، فإنه يضع نفسه خارج الإطار الوطني، ولا يمكن أن يتحدث باسم هذا الوطن».نعم، من لا يخلص للبحرين، من لا يصون ترابها، من يخونها، ويقبل بأن يعتدي عليها العدو، بل يتخابر معه ويهلل له، هذا لا يستحق أن ينطق اسم بلادنا الغالي، لأن اسم البحرين أطهر من الخيانة والمهادنة والخوف والخنوع. وهنا نؤكد، هذه ليست قسوة، بل وضوح. وليست إقصاءً، بل حماية للوطنية.

الوطن لا يمكن أن يكون ساحة مفتوحة للولاءات المتضاربة، لا يمكن أن يُبنى على ازدواجية الانتماء. إما أن تكون مع وطنك، بكل وضوح، في لحظات الخطر قبل الرخاء، أو أنك اخترت موقعاً آخر، لا علاقة له بأغلى ما نملك، لا علاقة له بالبحرين.

ما قاله معالي وزير الداخلية، يمثلني، ويمثل كل بحريني وطني مخلصاً لتراب هذه الأرض. هذا الرجل الشهم بالأمس كان صوتنا حين نتمسك بالثوابت، وكلامه كان تعبيراً صادقاً عن وجدان شعبٍ يعرف معنى الانتماء، ويدرك أن حماية الوطن لا تقبل المساومة أو التردد، أو الحياد المخجل.

هذه المرحلة أجدها تعيد تعريف الكثير من المفاهيم، مرحلة أثبتت أن قوة البحرين دوماً في تلاحمها الداخلي القائم على الإخلاص والولاء الثابت، وفي قيادة صاحب الجلالة ملكها الشجاع الثابت، وفي مؤسسات الحكومة بقيادة سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، كمؤسسات أثبتت قدرتها على إدارة الأزمات بثبات.

وما أجملها من «وصية وطن» تقشعر لها الأبدان، حين قال الرجل «راشد بن عبدالله» بقوة صوته المعهودة، وجسارة وجهه الجاد، وهدير كلامه الذي لا يستكين: «سنورثه لأبنائنا كما ورثناه، وطناً آمناً مستقراً، ومجتمعاً متماسكاً، ومستقبلاً يليق بتضحيات الآباء والأجداد، لهذا الوطن الذي عشنا له ونموت من أجله».

نعم، عشنا له، ونموت لأجله.

الوطن ليس أرضاً نعيش عليها، نريد منها خيراتها، وكثير للأسف يجحدها. الوطن أمانة نحملها، مسؤولية نؤديها، تاريخ نصونه، ومستقبل نبنيه. وكل جيل يُختبر في لحظة ما، وهذه لحظة البحرين، مجدداً.

في هذه اللحظة، لا مكان للحياد. ولا قبول للصمت. ولا اعتبار لأي ولاءٍ خارج حدود هذا الوطن. هنا فقط، تُكتب الوطنية الحقيقية