د. توفيق السباعي

استكمالاً لما تناولتُه في مقالي السابق وكيف أنَّ العدوانَ الإيرانيَّ الآثمَ أخطأ في قراءة الخليج العربي، فإنَّ ما تفرضه المرحلةُ اليوم أوسعُ من توصيف الثبات، وأبعدُ من الاكتفاء بمشاهد الصمود؛ لأنَّ القضيةَ لم تَعُد تقف عند حدود الإدانة، بل دخلت منطقةَ الاستحقاق: استحقاقِ المساءلة، واستحقاقِ التعويض، واستحقاقِ أن يدفع المعتدي ثمنَ ما اقترفت يداه.

لقد أثبتت دولُ الخليج العربي، منذ اللحظة الأولى، أنَّها دولٌ مسؤولة لم تنجرف إلى ردود الفعل الطائشة، بل اختارت ضبطَ النفس، واشتغلت على حماية المجال العام، وصون الأرواح، وتأمين المنشآت، وإبقاء مؤسسات الدولة قائمةً بأدوارها. وعلى الرغم من أنَّ النهجَ الخليجيَّ اختار الدفاعَ المشروع والتحرّكَ الدبلوماسيَّ والقانونيَّ بدلَ التورط في توسيع دائرة الحرب، فإنَّ هذا الرشدَ السياسيَّ لا يعني القبولَ بأن تمرَّ الاعتداءاتُ بلا تبعات.

ومن هنا، فإنَّ السؤالَ الذي يفرض نفسَه اليوم هو: ماذا بعد الإدانة؟ وهل يُعقل أن تُستهدف الأعيانُ المدنيَّة، والموانئ، ومرافقُ الطاقة، والمناطقُ السكنيَّة، وسلاسلُ الإمداد، ثم يُطلب من المنطقة أن تكتفي ببيانات الشجب والاستنكار، وكأنَّ الخسائرَ التي أصابت الناسَ والاقتصادَ والبنيةَ التحتيَّةَ مجرّدُ أثرٍ جانبيٍّ في نزاعٍ لا يعنيها؟ لقد أصبح الانتقالُ من لغة التنديد إلى لغة المساءلة والتعويض ضرورةً قانونيَّةً وأخلاقيَّةً؛ لأنَّ العدالةَ تكتمل حين يُلاحَق أثرُه ويُحمَّل مرتكبُه تبعاتِه.

ولعلَّ ما يُؤكِّد الحاجةَ إلى هذا المسار أنَّ الإدانة، على أهميتها، لا تُغني وحدها عن الفعل المؤثِّر. فرغم أنَّ جامعةَ الدول العربية عبَّرت عن موقفٍ واضحٍ في إدانة الاعتداءات الإيرانية الآثمة ورفضها، فإنَّ المعضلة لم تكن في غياب الإدانة بقدر ما كانت في محدودية ما تلاها من فعلٍ مؤسسيٍّ ضاغط يوازي فداحةَ ما وقع واتساعَ آثاره. وفي المقابل، برزت مملكةُ البحرين داخل مجلس الأمن بحضورٍ دبلوماسيٍّ متقدِّم، لا بوصفها مدافعةً عن سيادتها فحسب، بل بوصفها طرفاً عربيّاً فاعلاً أسهم في دفع قضيةَ الدول المتضرِّرة إلى مسارٍ أوضح في التوثيق والبناء القانوني للمساءلة والتعويض.

فالقرار 2817 قُدِّم من البحرين نيابةً عن دول مجلس التعاون والأردن، ثم واصلت المملكة، عبر رسائلها المتتابعة، ومنها الخطابُ الثامن المؤرَّخ في 29 مارس 2026، إحاطةَ الأمم المتحدة بتفاصيل العدوان وخسائره وحصر أضراره، بما جعل تحرُّكها أقربَ إلى الفعل المؤسِّس للحقِّ منه إلى الاكتفاء بلغة الموقف.

وما يُضاعف أهميَّةَ هذا المسار أنَّ العدوانَ الإيرانيَّ الآثم لم يقتصر أثرُه على ما خلّفه من أضرارٍ مباشرة لحقت بدول الخليج العربي من جراء استهداف الأعيان المدنية، والأحياء السكنية، والمنشآت الحيوية والاقتصادية والنفطية، بل هدَّد صورةَ الاستقرار والثقةِ الاقتصاديةِ في منطقة الخليج العربي، وأربك حركةَ الطيران والشحن والطاقة. وهنا يصبح حصرُ الخسائر وتوثيقُها واجباً سياديّاً لا يقلُّ أهميَّةً عن صدِّ الهجوم نفسه؛ لأنَّ ما لا يُوثَّق جيداً قد يُدان سياسيّاً، لكنَّه يضعف قانونيّاً.

وليس الخليجُ العربي في هذا المسار يبتدع سابقةً من فراغ؛ فتجربةُ الكويت مع الغزو العراقي الغاشم وحصولها على تعويضات تجاوزت 52 مليارَ دولار، تظلُّ شاهداً على أنَّ العدوان يمكن أن تلاحقه فاتورتُه لعقودٍ متى وُثِّقت الخسائر، واشتدَّ البناءُ القانوني. ولهذا فإنَّ المطلوب اليوم أن يتحوَّل التضامنُ الخليجيُّ إلى عملٍ قانونيٍّ جماعيٍّ منظَّم من خلال فِرَقِ توثيق، وخبراءِ قانونٍ دولي، وملفاتِ أضرارٍ موحَّدة، ورؤيةٍ تفاوضيَّةٍ لا تكتفي بوقف النار، بل تطلب حقّاً كاملاً غيرَ منقوص.

وهنا ينبغي التنبيه إلى أنَّ أيَّ اتِّفاقٍ تعقده واشنطن مع النظام الإيراني لا يجوز أن يُقرأ من زاوية إنهاء الحرب وحده، بل يجب أن يقترن، إلى جانب المساءلة والتعويضات، بقيودٍ دائمةٍ على القدرات الصاروخيَّة والطائرات المسيَّرة، وبضماناتٍ صريحةٍ تمنع تكرارَ الابتزاز عبر الممرات الحيويَّة، وتكبح سياساته العدائيَّة في المنطقة وأذرعَه ووكلاءه.

فبعد أن أخطأ هذا العدوانُ الآثم قراءةَ الخليج العربي، يجب ألّا يُسمح له أن يُخطئ قراءةَ العاقبة أيضاً.