- سنحت لي الفرصة للحديث في البرنامج التلفزيوني مبادرة «ولاء وتلاحم» حول مشاعرنا تجاه الأوضاع الحالية وتجاه الوطن الحبيب. وكمواطنٍ بحرينيٍّ عشق هذه الأرض، وعشق قيم العطاء والبذل في أجوائها، أحسستُ أنه من الواجب أن نتواجد في مثل هذه المواطن؛ لتسجيل كلماتٍ تبقى للتاريخ، ويبقى أثرها للأجيال.
بالفعل، الحديث عن البحرين ليس بالأمر الهيّن، ونحن نعيش في أجواء مازالت مشاعرنا فيها مختلطة، والجرح ما زال ينزف، وإن كنا على يقينٍ بأنها سحابة صيف عابرة بإذن الله تعالى، وعلى يقينٍ كذلك بأن ما بعد العسر إلا اليسر بعونه تعالى. هي البحرين الأصيلة، التي لا مكان فيها لمن يخون الانتماء إليها؛ هي البلد الآمن المطمئن الذي اعتدنا أن نسير في طرقاته بلا خوف، ونستذكر ذكريات طفولتنا الآمنة.. فلم نعتد أن تهتز بيوتنا من أصوات الصواريخ والمضادات، ولم نعتد أن يبقى البعض خائفاً وجلاً في بيته يترقب الأحوال. وهم أولئك الذين نُقدّر مشاعرهم؛ فالوضع مازال تحت وطأة العدوان الغاشم الذي يريد زعزعة أمن هذه البلاد الحبيبة واستقرارها، والنيل من مقدراتها، وتأخير ركب التطور والإنجاز. حفظ الله مملكتنا الحبيبة من كل سوء، وعجّل بزوال هذه الغمّة.
- ضمن الأحاديث الإيمانية الجميلة التي يجدر أن نُذكّر بها أنفسنا ومن حولنا، تلك المتعلقة بسكينة وطمأنينة القلب؛ فلا بد أن نُطمئن نفوسنا ومن حولنا بأن الأمور أولاً وأخيراً بيد المولى الكريم، وأن نستشعر معاني اسم الله «الحفيظ». وهنا بعض العبارات التي وردت في كتاب «لأنك الله» لمؤلفه «علي الفيفي»، يقول في حديثه عن اسم الله «الحفيظ»: «أيها القلب اطمئن.. منتهى الحفظ عند الله، وغاية الرعاية لديه، وأقصى الطمأنينة تكون وأنت بمعيّته. يحفظ عبده؛ لذلك نقول دائماً: اللهم احفظني من بين يديّ، ومن خلفي، وعن يميني، وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أُغتال من تحتي. إنك تستحفظ الله جهاتك الست، وتطلب منه هالة حفظٍ تحوطك من جميع الجهات، ولا يقدر على ذلك إلا هو! إنه الحفيظ؛ يحفظ حياتك، لذلك نستودعه سبحانه أحبّتنا عندما نفارقهم ونقول: أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه. يستحيل أن تضيع الودائع التي أسبغ عليها الله حفظه وأحاطها برعايته».
- وضمن الأحاديث الجميلة التي تتناسب مع الفترة الحالية التي نعيشها، والتي تستلزم منا أن نكون آمنين مطمئني القلوب، تعليق الكاتب الفيفي على «المعقّبات» الواردة في قوله تعالى: «له مُعقّباتٌ من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله»:
«لأجلك أنت يأمر الحفيظ سبحانه أربعة ملائكة أن يحيطوا بك حتى يحفظوك بأمره من كل ما لم يُقدّره عليك».
شاهدتُ بدهشةٍ المقطع الذي تظهر فيه حادثة محاولة اغتيال الشيخ عائض القرني في الفلبين، وكيف أن المجرم وجّه إلى صدر الشيخ ستَّ رصاصاتٍ من مسافة متر تقريباً، ولا حائل بين الطلقات والشيخ، ثم يخرج الشيخ من تلك المحاولة الآثمة سليماً معافى! ثم يعلن الشيخ أنه كان قد ذكر الله، وحصّن نفسه بالأدعية!هذا هو الحفظ الأصيل الذي يطمئن النفس، وينقلها من طور الخوف الزائد إلى طور الطمأنينة القلبية والنفسية، ويُبعدها عن الهواجس الشيطانية المريبة التي تجعلها بعيدة عن مولاه سبحانه وتعالى. اليقين بأن هناك مُعقّبات تحفظك، وبأن هناك أدعيةً تحصّن بها نفسك وأبناءك من الشرور، وبأنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، وأن الذكر عند سماع أصوات الانفجارات وصفارات الإنذار، وأذكار الصباح والمساء، كلها مما يحفظك من مخاطر الأيام. وكذلك قولك عند خروجك من بيتك: «بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم إني أعوذ بك أن أَضِلَّ أو أُضَلَّ، أو أَزِلَّ أو أُزَلَّ، أو أَظلم أو أُظلم، أو أَجهل أو يُجهل عليّ». وقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم ما خرج من بيت أم سلمة قط إلا رفع طرفه إلى السماء وقال هذا الدعاء.
وورد أيضاً: إذا خرج الرجل من بيته وقال هذا الدعاء، قيل له: هُديت، وكُفيت، ووُقيت، فتتنحى له الشياطين، فيقول له شيطان آخر: كيف لك برجل قد هُدي وكُفي ووُقي؟
- ومن أحاديث البحرين الجميلة أيضاً، أن تعمل مع ثُلّةٍ من النفوس «المطمئنة»، غير الخائفة، التي تسعى لأن تكون حاضرة في كل مكان، وأن تعمل بقلبها ومشاعرها، وألا تظل مكتوفة اليدين، أو تضع رِجلاً على أخرى، دون أن يكون لها حراك وطني وإنساني ومجتمعي، تكون فيه قريبة من المجتمع ومن الآخرين.
أستأنس بالعمل مع الذين يقولون بالبحريني: «هي والله»، ويبادرونك بالفكرة والعمل قبل أن تسبقهم، وإن سبقتهم صفقوا لك وشجّعوك وقالوا: نحن معك قلباً وقالباً. إن الحراك الأصيل، وبخاصة في هذه الفترة الحاسمة، يستلزم منا أن نتفرّد بالأفكار، لا من أجل إبراز شخصياتنا؛ فالحمد لله هناك من يطّلع على السرائر والضمائر، فالنيات أولاً وأخيراً لله تعالى وحده، ومن أجل الوطن الحبيب.
دعونا نعمل؛ فالعمل يذهب وخزات الخوف، ويجعلك في أمنٍ وعافية، وحفظ الإنسان من مولاه يكون بعمله في الخير؛ فالمسلم تحفظه في حياته خطواته في الخير. ولأن البحرين تستاهل، فلا بد أن نضع أيدينا معاً، وأن نترفّع عن العمل مع أولئك الذين يعملون من أجل أنفسهم فقط. الحياة جميلة بأولئك المخلصين، أدامهم الله تعالى سنداً ودفئاً في حياتنا.
ومضة أملومضة ترددت معانيها على لسان صاحبي الأصيل الحبيب: وأنت تردد «الله أكبر»، استشعرها حتى تزيل كل أحزانك.. كبّر الله تعالى في قلبك، يصغر لك كل أمرٍ يمر في حياتك، وتتفتت كل صخرةٍ تعترض طريقك. وتأكد أنها تصل إلى وجدانك، وتشافي أعماقك، فلا يعلو عليك همٌّ وربك سبحانه وتعالى هو الأكبر.. الأكبر في كل شيء.