يوسف الجنيد

مضيق هرمز أحد مفاتيح الازدهار العالمي، شريان يمد دول العالم بالطاقة، والاستدامة حق مكفول بموجب المادة 38 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي تضمن حق المرور العابر عبر المضايق الدولية لجميع السفن - عقد مكتوب بين المنتجين والمستهلكين تقوم عليه حركة التجارة والصناعة والحياة اليومية لمليارات البشر. غير أن مجتبى خامنئي -المرشد الأعلى صاحب السلطة المطلقة- وقف بين الطرفين، كما يدعي التلفزيون الإيراني الرسمي، اتخذ قرار إغلاق المضيق، فخرق وعطّل إنفاذ القانون الدولي، وتسبّب في أزمة طاقة عالمية.

وفي واشنطن، كان الجواب يتشكّل. عقيدة أمريكا أولاً لا تعني الانكفاء عن العالم، بل تعني قيادته اقتصادياً عبر التحكم في شرايين الطاقة، فمن يفتح هرمز ويضمن استدامته يُمسك بمفتاح الازدهار العالمي. ولهذا فإن الاستراتيجية الأمريكية ليست مغامرة حرب، بل معادلة مصالح محسوبة: إسقاط النظام الذي يهدد الاستدامة، وفتح الشريان أمام العالم، وجني ثمار ذلك داخلياً وخارجياً، مع رفض التورط البري الدائم لأن الهدف ليس احتلال أراضٍ بل إزالة عائق.

يمر عبر مضيق هرمز ما يقارب 20% من إمدادات النفط والغاز الطبيعي العالمية -نحو 20 مليون برميل يومياً- وتحيط به عشر جزر تخضع للسيادة الإيرانية: قاسم (كشم) داخل المضيق، ثم هرمز، ولارك، وهنغام، وطنب الكبرى، وطنب الصغرى، وأبو موسى -وهي جزر إماراتية تحتلها إيران منذ عام 1971- وفارور، وبني فارور، وسري، فيما تقف خارك قرب بوشهر ميناء تصدير 94% من النفط الإيراني، وكيش التي تحتضن منشآت للحرس الثوري ومطاراً وميناءً. السيطرة على هذه الجزر لا تعني نشر قوات، بل تحكماً انتقائياً عبر ضربات دقيقة ومنظومات رادار وتشويش وحصار بحري يقطع الإمداد.

تكتسب هذه السيطرة أهميتها حين تُقرأ مع إقليم الأحواز (خوزستان)، الذي يحتضن نحو 80% من الاحتياطيات النفطية البرية الإيرانية ضمن إجمالي 208 مليارات برميل، إضافة إلى احتياطيات غاز ومصادر مائية. خارك تُغلق المعادلة من طرفها البحري بتصدير 94% من النفط، وكيش تمثل الدرع العسكرية، والسيطرة على الجزر تُغلق الممر، وتعطيل خارك وكيش يوقف الصنبور ويقطع التمويل - ولا نظام بلا عائدات نفط.

ولا تنفصل هذه الاستراتيجية عن الملف النووي؛ إذ تمتلك إيران مخزوناً يبلغ 440.9 كيلوغرام من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60%، وهي نسبة تقترب تقنياً من مستوى التسليح البالغ 90%، ويكفي هذا المخزون لصنع ما يصل إلى عشرة أسلحة نووية، ما يجعل تفكيكه أو التحقق منه شرطاً غير قابل للتفاوض.

ويتقاطع ذلك مع مصلحة خليجية في تجميد مداخيل إيران، مع إمكانية إلزامها بتعويضات عن الأضرار الناجمة عن اعتداءاتها منذ 28 فبراير 2026 وحتى فتح المضيق، وسط خسائر محتملة لدول المجلس تصل إلى نحو 6 مليارات دولار يومياً.بدأت القصة بمضيق أوقفه رجل واحد، وستنتهي بقرار يُعيد تشغيله، فإعادة فتح هرمز تعني ضخ ملايين البراميل، وخفض الأسعار، وكبح التضخم، وإطلاق انتعاش اقتصادي عالمي، والجزر وثروات الأحواز ليست غنائم، بل روافع لاستعادة استدامة الشريان الذي يمد العالم بطاقته، وهرمز مفتاح من مفاتيح الازدهار.