هلموا بنا أولاً لندعو بالرحمة لشهدائنا من مدنيين، ولرجال جيشنا البواسل، ولأفراد الأمن من رجال الشرطة المخلصين. ونسأل الله أن يرزق أمهاتهم وأحباءهم الصبر والسلوان، وأن يرزق الجرحى الشفاء العاجل، وأن يعجل خلاصنا من هذا الكرب الكابوسي الذي نعيشه منذ أكثر من شهر.

انتبه عزيزي القارئ الكريم، ليس في كلامي هذا يأس أو قنوط كما قد تظن. فنحن شعوب جبلت على الشدائد والمحن، وكلما اشتدت وضاقت واستحكمت حلقاتها، التففنا حول قيادتنا، نشد أزرها وندعمها. وإذا كان المواطن هو الاستثمار الحقيقي، فقيادتنا هي الناصر والمناصر والسند والمساند الحقيقي. لا أقولها مجاملة، فالوطن لا يُجامَل فيه، ولا يُساوَم عليه، بل يُفدى ويُصان.

المعضلة الحقيقية أنك كلما أمسكت القلم لتكتب، تذكرت أن ما ستكتبه قد كتبته من قبل، لأن (البعض) منا لم يعد يكرر التاريخ فحسب، بل يكرر الأخطاء دون أن يتعلم. يمكن أن تتأكد إذا رجعت إلى مقالاتي التي كتبتها منذ عقد ونيف.

ما العمل إذن؟ هل علينا أن نجتهد في تذكير الناس؟ ليكن نقاشاً مفتوحاً بالورقة والقلم، عنوانها، رسالة من تحت الماء إلى (المتأيرنين)، وسأطرح أسئلة سأمثل نفسي في الإجابة عنها:

ما الذي قدمته إيران لفلسطين؟

لطالما صدّعوا رؤوسنا بشعار «يوم القدس»، ولكن وقت الجد جاء الرد الصادم من قلب طهران حين قدّموا شروطهم الخمسة للوسيط الباكستاني، والمتمثلة في وقف العدوان على إيران والفصائل في العراق ولبنان! أين ذهبت غزة؟

بخ بخ... ما أقبحكم وسواد الله وجهكم!

أعلم بأنك ستتهمني بتضليل الحقائق، طيب يا سيدي، اذكر لي اسمَ إيرانيٍّ واحد استُشهد في سبيل فلسطين؟

لست أطرح هذه الأسئلة الآن لأنها ستلاقي إجابات، بل لأطلب منك أن تضع إلى جوارها سؤالًا آخر: ماذا فعلت إيران في سوريا والعراق ولبنان، بل ماذا فعلت بالإيرانيين أنفسهم؟

يعيش الإيرانيون كوابيس في ظل حكم ديكتاتوري، فاشيّ الذراع، يتعامل بعقلية لصوص البنوك، الذين قرّروا السطو على أحد البنوك للاستيلاء على أمواله، فتحفظوا على الأبرياء من المودعين والموظفين كرهائن، ليهدّدوا رجال الشرطة: إذا هاجمتمونا سنقتل الرهائن!

وهذا بالضبط عقلية الملالي في إيران، متصوّرين أن دول مجلس التعاون رهائن، ضعاف، مستكينون، مستسلمون، منطق أقل ما يوصف به (..) اختر عزيزي القارئ الكلمة التي تناسبك وضعها ما بين القوسين!!

خدعوك فقالوا، إن العرب لقمة سائغة يا ساقط في التاريخ.

أما ضحاياهم من العرب، فلا أعلم من أين أبدأ!

في سوريا: قُتل ما لا يقلّ عن 750 ألف سوري على يد ميليشيات إيران وحزب الله، وتمّ تهجير ونزوح أكثر من 13 مليون سوري.

في العراق: تتراوح ضحاياهم ما بين 500 ألف إلى مليون قتيل عراقي على يد فصائل موالية لإيران، بخلاف النازحين والمهجّرين والذين نجوا من آلة الحرب الطائفية التي غذّتها إيران، والتي تُقدّر بـ5 ملايين عراقي.

ولولا ضيق مساحة المقال، لأسهبت في الحديث عن جرائم الفرس في اليمن ولبنان والسودان ونيجيريا وإريتريا وكينيا.. يا أخي، حتى أفريقيا لم تسلم من شرهم.

حديثي هذا ليس للمتدبّرين والذين يمعنون العقل، بل إلى (المتأيرنين) ممن يمنعون العقل أو يعطّلونه، الذين يرفضون إعمال الفكر، المصابين بداء التعاطف مع إيران. أقول: لا يمكن أن نشوّه ونخلط أنساب الشرائع والقوانين، ولا أن ننتهك شرف المنطق ومبادئ الاستدلال السليم، ونسير عكس اتجاه العقل والتدبير، ونلتمس الأعذار للمجرم.

هناك حكمة ربانية وجيهة وعادلة: لابد أن يُحاسب المجرم والقاتل ويلقى -عاجلاً أو آجلاً- عقابه، وكتاب الله والتاريخ لا يكذبان. تأمل وشاهد: أين ذهب خامنئي وكيف كانت نهايته؟ وأين حسن نصرالله وسليماني وكل من تلطّخت يده بدماء المسلمين؟ كيف انتهى بهم الأمر؟ وكأن ربك أراد أن يرينا فيهم عجائب قدرته.. فالجزاء من جنس العمل.

هي دعوه صادقة صادرة من القلب، لكل (المتأيرنين) أن يشاهدوا ويترقّبوا نهاية هذه الحرب، ثم يتحّسسوا صلعتهم.

كلمة في الصميم..

حشد العقلاء أمر معقّد وصعب للغاية، أما حشد القطيع فلا يحتاج سوى إلى راعٍ وكلب. «وليم شكسبير».