ينسب إلى سقراط عبارة «تكلم حتى أراك»، ومع أن هذه العبارة وصلتنا بالرواية ولا نعرف مدى موثوقيتها، لكنها في الواقع عاشت مئات السنين، وبقي الناس حتى فترة قريبة وربما كثير منهم حتى الآن، يعتقدون أن الإنسان يعرف من منطق كلامه، فعندما يتكلم يكشف نفسه، ويقيمه الناس على أساس ذلك، أما نحن اليوم فقد أعدنا ترتيب الأولويات، ولم نعد نقيّم الناس على أساس منطق كلامهم، فقد قدمنا الصورة على الفكرة، والإخراج الفني على المضمون، وزاوية التصوير على الرأي.
الكلام في السابق كان كافياً لكشف الناس ومعرفة وضعهم، لكن اليوم يمكن للإنسان أن يختار صورة يطبق عليها مجموعة من الفلاتر، ينشرها ويكتب تحتها «تصل إلى العمق عندما تعيش الألم» وانظر بعد ذلك إلى تعامل الآخرين مع هذا المنشور، حيث ستظهر عبقرية البشر في تفسيره، مع أنها عبارة لا معنى واضحاً لها، لكن الآخرين سينظرون إلى هذا الغموض المرتبط بالصورة على أنه فلسفة عميقة يصعب عليهم فهمها لكنهم يقرّون بالفلسفة لصاحبها، أما صاحب الصورة وهو شخص محب للشهرة والظهور -وهو أمر ليس بالجديد لأنها عادة بشرية- فمشكلته تتلخص في أن الظهور لديه أهم من الجوهر، فهو يصور نفسه وهو يقرأ كتاباً ليقول للآخرين إنه قارئ نهم، يسعى خلف المعرفة، يلتقط صورته مع الطعام ويظهر نوع المطعم «الغالي» ليقول إنه يعيش في مستوى معيشي مرتفع، يصور كوب القهوة والنظارة الطبية ليقول للمجتمع «خلف هذه الأدوات مثقف» وكأن رجاحة العقل تقاس بكوب قهوة ونظارة طبية.
يجلس أحدهم فيتحدث بأي كلام بغض النظر عن أهميته، لكنه يحرص على إدخال كلمة إنجليزية بين كل كلمتين عربيتين، ليسوّق نفسه على أنه مطّلع على المعرفة بلغات مختلفة، وهو أمر ليس بجديد، فكلنا نعلم أن كثيراً من الشباب الأوروبي في العصر الذهبي كانوا يُدخلون كلمات عربية في لغاتهم، وهم يتحدثون مع مجتمعاتهم، قبل مئات السنين، وقد تحدّث ابن خلدون عن هذه الحالة وبيّن أسبابها النفسية والاجتماعية، ولا مجال هنا لذكرها.
قد يبدو هذا المشهد ساخراً، لكنه ليس تافهاً، لأن المجتمع اعتاد بالفعل على ما يعرضه الناس، ويقيّمونهم على أساسه، لا على أساس أقوالهم وأفعالهم، وهذا تغير واضح في المعايير. فالبريق أكثر ربحاً من المعدن نفسه، وأصحاب العرض المسرحي يكسبون أمام أصحاب الفكر الهادئ المنضبط. لكن هنا تبرز مشكلة أخرى تطال صاحب العرض؛ فهو في النهاية يُستنزف ويُرهق، فهو لا يعيش وقته إنما يديره إعلامياً. فكل مناسبة تحتاج إلى صورة وتوثيق، وكل شعور يطرأ عليه لابد له من تعليق، وكل فنجان قهوة يجب أن يصدر له شهادة رقمية.
فحياته لا تصلح بغير تعليق الآخرين، وأمره لا يستقيم بدون تصفيق إلكتروني، حتى صرنا في جو اجتماعي الوجوه فيه كثيرة ومعرفتنا الحقيقية بهم قليلة، نراهم كثيراً لكن لا نعرفهم.
لا أدعو هنا إلى أن نشنّ حرباً على الصورة، ولا أن نتجاهل ما يحدث ونعيش في طبيعة الماضي، فالتغيير حتمي والعالم يتغير باستمرار، ولكن علينا ألا نستبدل بناء الذات بعرضها، ومع كل ذلك تبقى عبارة سقراط «تكلم حتى أراك» صالحة، وإن ذهب الناس إلى عرض أنفسهم لنعرفهم، لأننا في الواقع لم نعرفهم بعد.
* عميد كلية القانون - الجامعة الخليجية