يُراد بالتماس الأعذار: حُسنُ الظنّ بالآخرين، وسعةُ الصدر لهم، والتغاضي عن لحظات ضعفهم، والتغافل عن هفواتهم وزلاتهم؛ وإقالة العثرات التي تصدر منهم، وحمل أمرهم على أحسن المحامل، يقول سيدنا عمرُ بن الخطَّاب رضي الله عنه: «لا تظنُّ بكلمةٍ خرجتْ مِنْ فِيِّ مسلِم شراً وأنتَ تَجدُ لها في الخيرِ محمَلا» مدارة الناس، لابن أبي الدنيا، ص: 50، ويقول الشاعر:

تأنّ وَلَا تعجلْ بِلومِكَ صاحباً

لَعَلَّ لَهُ عذرا وَأَنت تلوم

إن التماس الأعذار للناس يٌورث الرّاحةَ والطمأنينة، ويطفئ نار العداوة والغضب، ويفتح أبواب المودّة والرّحمة، ويقوّي العلاقات الاجتماعية. وهو مِنْ شيم الكرام، وأخلاق العظماء الذين لا يعرفون الحقد والحسد والضغينة وسوء الظنّ والتأويل الخاطئ. كما أنّه مِنْ خُلُق الأنبياء والصالحين.

فهذا يوسف عليه السلام، ألقاه إخوتُه في الجُبّ، وباعُوه بثمنٍ بخسٍ دراهم معدودة، واتّهموه بالسرقة:

«قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ...»، «يوسف: 77».

ومع ذلك كلّه التمس لهم الأعذار؛ فعذّرهم بالجهل وطيش الشباب.»قَالَ هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ»، «يوسف: 89».

ثم زاد على ذلك عفواً وصفحاً ودعاءً لهم:»لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ، يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ»، «يوسف: 92». ونسبَ ما حدث بينه وبين إخوته إلى نزغة من نزغات الشيطان، «وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي»، «يوسف: 100».

وهذا من لطيف خطابه عليه السلام؛ إذ لم يذكر الجبّ تكرماً، حتى لا يذكّر إخوته بصنيعهم، كما نسب الإحسان إلى الله تعالى في لمّ شمل أهله به، ولم يذكر أنّ القحط والجوع جاء بهم، يقول شوقي رحمه الله:

رُزقت أكرم ما في الناس من خلق

إذا رُزقت التماس العذر في الشيم

وقد قيل: إن أعقل الناس أعذرهم للناس. فالذين يلتمسون الأعذار للآخرين أصحاب قلوب طيبة نقية؛ يذكرون الناس بالخير، ويحملون أفعالهم على أحسن المحامل. فإذا تأخر أحدهم قالوا: لعل لديه ظرفاً طارئاً، أو ازدحاماً في الطريق.

وإذا لم يردّ قالوا: ربما هو مشغول، أو لم ينتبه لهاتفه. وإذا سمعوا كلمةً جارحة قالوا: لعله لم يقصد، وربما خانته العبارة؛ فلكلّ جواد كبوة. وإذا دَعَوا أحدًا فلم يحضر قالوا: لعله نسي الموعد، أو عرض له عذر.

ولا شك أن هؤلاء يرحمون أنفسهم قبل غيرهم، ويحافظون على ودّهم وعلاقاتهم، كما يحفظون صحتهم مِنَ القلق وسوء الظنّ، الذي يقود إلى الإثم والعدوان والقطيعة والافتراق.

شمعة أخيرة

قال بعض السلف: «عظّموا أقداركم بالتغافل»، فهو يطفئ شروراً كثيرة، ويحفظ المودة، ويقطع أسباب العداوة، ويطرد الوحشة، ويورث المحبة في قلوب الناس.