الجميع كان مترقباً للحظة انتهاء المهلة التي حددها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإيران، باعتبارها نقطة مفصلية قد تحدد مسار التصعيد في المنطقة.
تهديدات واضحة، وسقف عالٍ من التوقعات، واحتمالات مفتوحة على كل السيناريوهات، خصوصاً مع ربط تلك المهلة بملف حيوي مثل أمن الملاحة في مضيق هرمز.
لكن المشهد لم يتجه نحو الانفجار كما كان متوقعاً، بل أخذ منعطفاً مفاجئاً. إعلان عن هدنة لمدة أسبوعين، بوساطة من شهباز شريف رئيس الوزراء الباكستاني، وتصريحات متفائلة من الجانب الأمريكي تتحدث عن فرصة حقيقية لبدء مفاوضات قد تفضي إلى وقف إطلاق نار شامل.
تزامن ذلك مع إشارات إيجابية من الجانب الإيراني، سواء عبر وزير الخارجية عباس عراقجي أو حتى ما نُشر إخبارياً عن موافقة المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي على هذه التهدئة.
ظاهرياً، بدا أن المنطقة تتجه نحو التهدئة. لكن عملياً، كان الواقع يقول شيئاً آخر تماماً.
فبعد دقائق من إعلان الهدنة، استمرت الهجمات بالصواريخ والمسيرات الإيرانية على دول مجلس التعاون الخليجي، دون استثناء.
لدينا في البحرين فقط، تم تسجيل استهداف بـ12 مسيرة، استهدفت منشأة حيوية، فيما سقطت شظايا على منازل المواطنين في سترة، في مشهد خلق «صدمة استيعاب» بين الخطاب السياسي والواقع الميداني.
هذا التناقض يفتح الباب أمام تساؤلات أعمق تتعلق ببنية القرار داخل إيران نفسها.
من الذي يملك القرار الفعلي؟! هل الرئاسة الإيرانية قادرة فعلاً على ضبط إيقاع العمليات العسكرية؟! أم أن الحرس الثوري الإيراني يتحرك وفق حسابات مختلفة، وربما بمعزل عن المسار السياسي المعلن؟!
الاحتمال الأكثر ترجيحاً، أننا أمام حالة انقسام داخلي في مراكز القرار الإيراني. تيار يدرك خطورة المواجهة الشاملة، ويسعى لالتقاط فرصة التهدئة والعودة إلى طاولة المفاوضات، مقابل تيار متشدد يرى في التصعيد أداة ضغط، حتى لو أدى ذلك إلى إفشال أي مسار دبلوماسي.
لكن هذا الرهان بالغ الخطورة؛ فاستمرار الهجمات، رغم إعلان الهدنة، لا يعني فقط تقويض الثقة، بل قد يدفع الإدارة الأمريكية إلى تنفيذ تهديداتها، وهو ما قد يقود إلى مواجهة واسعة لا يمكن التنبؤ بنتائجها، خاصة على مستوى المدنيين والاستقرار الإقليمي.
في موازاة ذلك، برزت مفارقة قاسية. وأعني تلك الدعوات داخل إيران لتشكيل سلاسل بشرية حول منشآت حيوية، وذلك قبيل انتهاء مهلة ترامب، في خطوة تُفهم على أنها محاولة لاستخدام المدنيين كدروع بشرية، وهو ما يضع النظام الإيراني أمام مساءلة أخلاقية وقانونية خطيرة، لأنه لا يهدد فقط الخارج، بل يعرض شعبه نفسه لمخاطر مباشرة.
اليوم، يقف المشهد عند مفترق طرق حقيقي. هل نحن أمام مفاوضات جدية ستُعقد في إسلام آباد، وتنجح في احتواء الأزمة؟! أم أن ما يجري هدنة شكلية، تُستخدم لشراء الوقت، بينما يستمر التصعيد على الأرض؟!
السؤال الأهم لم يعد «هل هناك هدنة»؟! بل «مع مَن يتفاوض ترامب فعلياً داخل إيران»؟!
الإجابة على هذا السؤال، هي التي ستحدد ما إذا كانت الأيام القادمة ستقود إلى التهدئة، أم إلى تصعيد أكبر قد يتجاوز كل الخطوط.