ليس كمراقب يقرأ الأخبار، ولا كمحلل يكتب من بعيد، بل كشخص يجلس بين وفدين يعرف أن أي كلمة قد تمنع حرباً، أو تؤجلها فقط. ماذا لو كنت أنت «الوسيط»؟!

ستكتشف سريعاً أن المشكلة ليست في غياب الحلول، بل في تضارب «الخطوط الحمراء». ستدرك أن كل طرف لا يتفاوض فقط من أجل مكسب، بل من أجل تفادي خسارة يعتبرها وجودية. وهنا تبدأ المعادلة الحقيقية. لو كنت في هذا المقعد، ستفهم أن واشنطن لا تستطيع التنازل عن ثلاث نقاط أساسية: أمن الملاحة في مضيق هرمز، ومنع إيران من الوصول إلى عتبة السلاح النووي، ووقف أي استهداف مباشر أو غير مباشر لحلفائها في المنطقة. هذه أسس لا يمكن للإدارة الأمريكية تجاوزها دون أن تفقد مصداقيتها داخلياً وخارجياً.

في المقابل، ستجد أن طهران لا تتحرك بمرونة. بقاء النظام بالنسبة لها ليس موضوع تفاوض أصلاً، بل مسألة وجود. كما أن العقوبات ليست مجرد ضغط اقتصادي، بل تهديد داخلي حقيقي، ولهذا فإن أي اتفاق لا يفتح باباً فعلياً لتدفق الأموال وعودة النفط لن يكون مقبولاً. أما مسألة السيادة، فهي الخط الذي تتحسس منه إيران أكثر من أي شيء آخر، خصوصاً إذا ارتبط برقابة تُفهم على أنها انتقاص من القرار الوطني.

هنا، وأنت في موقع الوسيط، ستدرك أن الاتفاق الشامل الكامل شبه مستحيل في هذه المرحلة. لكنك ستكتشف أيضاً أن هناك مساحة ممكنة، ليست كبيرة، لكنها كافية لمنع الانفجار.

ستقول للطرفين: لا أحد سيحصل على كل شيء، لكن يمكن لكل طرف أن يحصل على ما يمنع الأسوأ.

إيران يمكن أن تقبل بتجميد التخصيب عند مستويات منخفضة، والتراجع عن النسب المرتفعة التي تثير القلق الدولي، مقابل تخفيف اقتصادي ملموس وسريع. ويمكنها أن تضبط سلوك أذرعها في المنطقة، ليس عبر التخلي عنها بالكامل، بل عبر وقف الهجمات العابرة للحدود، ووقف استهداف الملاحة والمنشآت الحيوية. وهنا، هذه ليست تنازلات وجودية، لكنها إشارات يمكن قياسها وبناء الثقة عليها.

في المقابل، يمكن للولايات المتحدة أن تتحرك نحو رفع تدريجي ومدروس للعقوبات، بدل سياسة الخنق الشامل، وأن تنتقل من منطق «العزل الكامل» إلى «الاحتواء المنظم»، بما يسمح لإيران بالتنفس اقتصادياً دون أن تتحول إلى قوة منفلتة. لكن، وقبل أن تكتمل الصورة، ستلتفت إلى طرف ثالث لا يجلس على الطاولة، لكنه سيدفع ثمن أي اتفاق، وهنا نتحدث عنا نحن، دول الخليج العربي.

هنا يصبح السؤال أكثر حساسية، إذ هل كل اتفاق يعني بالضرورة أنه جيد لنا؟! والإجابة الصادقة: لا.

نحن لا ننظر إلى الاتفاق من زاوية النووي فقط، بل من زاوية ما عشنا تبعاته مباشرة. الصواريخ التي سقطت، والمسيرات التي استهدفتنا، لم تكن نظريات ومماحكات سياسية، بل واقعاً ميدانياً تضررنا منه في نواحٍ عدة. ولهذا، فإن أي اتفاق يتجاهل هذه الحقيقة سيبقى ناقصاً في نظرنا، مهما بدا متوازناً على الورق.

ما نريده ليس معقداً، لكنه واضح: نريد ضماناً حقيقياً بأن أمن الملاحة لن يكون ورقة ضغط. نريد التزاماً واضحاً بوقف الهجمات العابرة للحدود. ونريد ألا يُعاد إنتاج اتفاق يجمّد النووي ويترك الصواريخ الباليستية والمسيّرات مفتوحة، وتستخدم في أي زمان ومكان.

قد نتعايش مع «اتفاق منقوص» كحل مؤقت لتجنب حرب شاملة، نعم. لكننا لن نمنحه ثقة كاملة ما لم يُستكمل بمسار إقليمي يعالج هذه الملفات بشكل صريح. وإن شعرت دول الخليج العربي أن أمنها يُؤجل مرة أخرى مقابل صفقة سياسية، فإن المنطقة قد تدخل مرحلة جديدة، عنوانها البحث عن توازنات أمنية مختلفة، وتحالفات أكثر تنوعاً، وقدرات دفاعية أكثر استقلالاً.

أما أنت كوسيط، فبعد كل ذلك، ماذا ستتوقع؟!

سترى ثلاثة سيناريوهات واضحة: الأول، «اتفاق التبريد»، أي تجميد نووي مقابل تخفيف اقتصادي، وخفض للتصعيد الإقليمي. هذا هو السيناريو الأكثر واقعية، لأنه يمنح كل طرف ما يكفي دون أن يفرض عليه ما لا يستطيع تحمله.

السيناريو الثاني قد يكون «اتفاق ناقص هش»، بمعنى اتفاق يركز على النووي فقط، ويتجاهل بقية الملفات. هذا قد يُوقّع سريعاً، لكنه سيكون قابلاً للانهيار مع أول صاروخ أو حادث ميداني.

أما السيناريو الثالث، فهو بالتأكيد «فشل مؤجل»، وهنا لا اتفاق حقيقي، بل هدنة شكلية تُستخدم لشراء الوقت، قبل عودة التصعيد بشكل أكبر وأكثر خطورة.

ستدرك في النهاية، أن أصعب ما في الوساطة ليس جمع الطرفين العدوين، بل إبقاؤهما داخل الاتفاق بعد توقيعه. وأن النجاح الحقيقي لا يكمن في الوصول إلى تسوية مثالية، بل في بناء تسوية لا تنهار عند أول اختبار.

الآن، لو كنت أنت الوسيط، هل كنت ستبحث عن «نصر كامل»؟! أم عن اتفاق يمنع الحرب القادمة، حتى لو لم يُنهِ هذه الحرب بالكامل؟! أو ستبحث عن ماذا بالضبط؟!