في أوقات الأزمات، لابد وأن تواجه الدول تحديات اقتصادية تعود على المجتمع سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وتؤدي عادة إلى خفض الاستهلاك الخاص والذي يشكل نسبة كبيرة من الناتج المحلي الإجمالي، فلا يمكن إبعاد متوسط الدخل للفرد في المجتمع، عن مستوى الإنفاق حيث إن حدوث الانكماش سيؤدي تبعاً إلى تفاقم الركود وخسائر للشركات، وهذه دوامة كبيرة نحمد الله أننا في منأى عنها بقرارات حكومية رشيدة ومتزنة ومسؤولة.
ولهذا فالتوجيه الصادر من سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، والقاضي بالتكفل برواتب البحرينيين في القطاع الخاص لشهر أبريل عبر صندوق التأمين ضد التعطل، يُعد خطوة استراتيجية فائقة الأهمية تحمل آثاراً إيجابية متعددة الأبعاد على الاقتصاد الوطني.
ويتكامل هذا الأمر مع إعلان مصرف البحرين المركزي عن توجيه آخر من سمو ولي العهد رئيس الوزراء، بتأجيل البنوك التجارية وشركات التمويل سداد القروض وبطاقات الائتمان، بما يشمل الأقساط والفوائد لمدة ثلاثة أشهر، لكل من الأفراد والشركات، ليؤكد مرة أخرى على الاحترافية والموضوعية في فهم هواجس المواطن وتقديم الحلول بأسرع وقت ممكن.
فغالباً ما تلجأ الشركات في فترات الضغوط إلى تسريح العمالة لتقليل التكاليف، لكن هذا القرار يعني استمرارية العلاقة التعاقدية بين العامل وصاحب العمل، والحفاظ على رأس المال البشري الوطني الذي استثمرت فيه المملكة لسنوات طويلة، وأيضاً حماية القطاع المصرفي وخفض القروض المتعثرة، مما سيحافظ على سلامة الميزانيات العمومية للبنوك ويعزز ثقة المؤسسات المالية المحلية والدولية في متانة النظام المالي البحريني.
لاشك أننا جميعاً نشعر بالخوف من المجهول خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي تعيشها المنطقة والعالم أجمع، ولا نلوم المتشائمين، وإنما نبشرهم بأن هناك قيادة تمتلك القدرة على إدارة الأزمات، وتعمل ليل نهار من أجل إزالة هذا الشعور بكافة الوسائل.. فمن كان يرى في قوة دفاع البحرين الحصن المنيع ضد الضربات الإيرانية الآثمة، فسوف يلمس أيضاً هذا الحصن وتلك الملاءة المالية التي تحميه من عواصف تبعات الأزمة.
وقد يرى بعض الخبراء الاقتصاديين أن الدعم الحكومي يضعف القطاع الخاص، لكن هذا القرار يأتي في سياقه الطارئ للحماية من الصدمات الخارجية، وفي رأيي فإن قرار دفع رواتب شهر أبريل يمنح الشركات مهلة للتنفس ولإعادة ترتيب أوضاعها، وهيكلة ديونها، أو التكيّف مع الظروف الجديدة، دون أن تخسر كوادرها المدربة، وهذا يعزّز استدامة النمو على المدى المتوسط.
تلك القرارات الحكيمة يمكن وصفها في النُظم الاقتصادية بفلسفة إدارة الأزمات، والنظر إلى الكوادر الوطنية باعتبارها أصولاً تستلزم الحفاظ عليها، ومن يظنّ أن في تلك القرارات أعباء مستقبلية، فهو خاطئ، لأنها بلاشك تمثل تعزيزاً لمنظومة المجتمع الاقتصادي التي تشمل الأصول الثابتة والنقدية.. والبشرية.
وانطلاقاً من ذلك، تبرز اليوم أهمية توجيه الإنفاق نحو الأسواق المحلية، فدعم الاقتصاد الوطني مسؤولية مشتركة بين الأفراد والشركات، إذ يُسهم ذلك في تنشيط الحركة التجارية وتعزيز استقرار السوق، كما يبعث برسالة ثقة للمستثمرين حول متانة الاقتصاد وقدرته على مواصلة النمو.