في ظل التحولات الكبيرة التي شهدها العالم في مجال التعليم، برز التعليم عن بُعد كخيار أساسي لضمان استمرارية التعلم في زمن الخوف. ومع انتقال العملية التعليمية من المدرسة إلى المنزل، لم تعد الأم مجرد داعم ثانوي، بل أصبحت عنصراً محورياً في إنجاح هذه التجربة، حيث يقع على عاتقها دور كبير في تهيئة البيئة المناسبة ومتابعة الأبناء وتحفيزهم.
تبدأ أهمية دور الأم من تنظيم الوقت، إذ تساعد أبناءها على الالتزام بجدول الحصص الدراسية، وتغرس فيهم الانضباط والجدية رغم غياب البيئة المدرسية التقليدية. فالتعليم عن بُعد يتطلب قدراً عالياً من المسؤولية الذاتية، والاعتماد على النفس وهنا يأتي دور الأم في توجيه الأبناء نحو إدارة وقتهم بفعالية، وتخصيص أوقات محددة للدراسة وأخرى للراحة.
كما تلعب الأم دوراً مهماً في توفير بيئة تعليمية مناسبة داخل المنزل، فهي تسعى إلى تقليل مصادر تشتيت الانتباه، وتهيئة مكان هادئ ومريح يساعد الأبناء على التركيز. هذه البيئة تعوض جزئياً غياب الصف الدراسي، وتمنح الطفل إحساساً بالجدية والانتماء إلى الموقف التعليمي .
ولا يقتصر دور الأم على التنظيم فقط بل يمتد إلى المتابعة التعليمية. فهي تراقب أداء أبنائها وتفاعلهم خلال الموقف التعليمي، وتساعدهم في فهم الدروس عند الحاجة، وتتواصل مع المعلمين لمتابعة مستواهم الدراسي. هذا التواصل المستمر يعزز من جودة التعلم، ويساعد في معالجة أي صعوبات قد تواجه الطالب في وقت مبكر.
إلى جانب ذلك، تؤدي الأم دوراً مهماً في المساندة النفسية والتحفيز للتفاعل في الموقف التعليمي. فالتعليم عن بُعد قد يسبب شعوراً بالعزلة أو الملل لدى الأبناء، خاصة في المراحل العمرية الصغيرة. هنا تتدخل الأم لتقديم الدعم المعنوي، وتحفيز الأبناء، وتشجيعهم على الاستمرار، مما يرفع من دافعيتهم، ويقلل من شعورهم بالضغط.
والواقع تواجه الأمهات تحديات عديدة مثل: التوفيق بين مسؤوليات المنزل والعمل، وضعف الخبرة التقنية في بعض الأحيان، إضافة إلى الضغط النفسي الناتج عن تعدد الأدوار. لذلك، فإن نجاح تجربة التعليم عن بُعد لا يعتمد على الأم وحدها، بل يتطلب تعاوناً مشتركاً بين أفراد الأسرة والمدرسة وتوفير الدعم اللازم للأهل، فالأم تشكل حجر الأساس في تفعيل التعليم عن بُعد، فهي المعلم المساند، والموجه، والداعم النفسي في آن واحد. ومن خلال وعيها وتفاعلها، يمكن تحويل هذه التجربة من تحدٍ صعب إلى فرصة حقيقية لتعزيز استقلالية الأبناء وتنمية مهاراتهم في التعلم الذاتي.. ودمتم سالمين.